أخبارتقارير وتحقيقات

التحرش الجنسي.. يدفع اليمنيات للتخلي عن العمل

تحقيق: سميرة عبد اللطيف & نجوى حسن

“كنت أتوقع أن أتعرض لانتقادات وجدل وتحديات في مجال عملي، لكن لم أتوقع أن يكون التحرش جزءا من يومياتي وبسببه سأترك العمل”.. سارة.

“في كلّ مرّة أتعرض فيه لتحرش، تجتاحني أفكار هدّامة صرت أشكّ بنفسي؛ هل شكلي امرأة غير محترمة؟!”.. ندى.

“هذا المكان بات يشكل لي عقدة نفسية كبيرة، صرت أتحضر نفسيا للنظرات وللكلمات القذرة”.. نجود.

“لم أستطع السكوت عندما تعرضت لتحرش من زميلي، وتوجهت إلى محام مختص لرفع قضية ضده”.. بشرى.

نساء يمنيات يتحدّثن عن مواقف تحرش قلن إنهنّ مررن بها، وما زلن يتذكرنها جيدا، ويتذكرن تفاصيل الأفكار التي تراودنهنّ تجاه هذا الموضوع، ونحن نسعى في هذا التحقيق إلى تسليط الضوء على هذا القضية التي تتسبب بإصابة بعض النساء أو الفتيات بحالات نفسية، هناك كثير من النساء تحدّثن لنا شريطة عدم ذكر الأسماء نظراً لحساسية الموضوع، لذلك استخدمنا أسماء مستعارة، فالهدف من التحقيق هو عرض مدى اتساع نطاق التحرش نظرا أو لفظا أو جسديا.

عملت سارة (اسم مستعار) مندوبةً لبيع الأدوية لفترة قصيرة، ثم توقفت عن العمل نهائياً في هذا الجانب على الرغم من قدراتها ونجاحها في العمل، وأعادت سارة أسباب توقفها عن العمل إلى تعرضها للتحرش.

تقول سارة: “كنتُ أتوقع أن أتعرض لانتقادات وجدل وتحديات في مجال عملي، لكن لم أتوقع أن يكون التحرش جزءا من يومياتي وبسببه تركت العمل”.

بدأت سارة العمل مندوبةَ مبيعات للأدوية في ٢٠١٩، واستطاعت تحقيق الأرباح من عملية التسويق التي تقوم بها في أثناء تنقلها الميداني للصيدليات وتعاملها مع الدكاترة، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فالمضايقات التي تعرضت لها أفقدتها ثقتها بنفسها، بحسب ما تقول.

تصف سارة الحادثة التي غيرت مسارها المهنية بـ”المريرة”، وعن تجربتها تقول: “في أثناء قيامي بعملي في إحدى الصيدليات المعروفة، كنت أروّج لإحدى الأدوية، وحينها قام الصيدلاني بإمساك يدي وتنهد بطريقة ذات إيحاء جنسي. لم أفعل شيئا وقتها. لم أصرخ. لم أسترد حقي ولم أعنفه. انتفض جسمي فقط، ومشيت بعيدا من هول المفاجأة متظاهرة بأني لم أفهم شيئا”، ولكن بعد هذه الحادثة توقفت سارة عن العمل في المجال الذي طالما أحببته.

وعن شعورها تجاه ذلك تقول سارة: “أن تجدَ مضايقات سلبية من هذا النوع في العمل، ليس بأمر سهل، فنحن النساء نتعرض لتحرش على مستوى الشارع، لكن الأمر ليس مؤثرا بتلك الدرجة التي قد تكون في إطار عملك ومن أشخاص تضطر أن تتعامل معهم بشكل دائم، ذلك أمر سيء جداً، ويُشعر بالإهانة والخوف. مررتُ بمرحلة صعبة، لذلك لم أستطع التحمل وتوقفت عن العمل في هذا الجانب”.

من الجانب الآخر يصعب على الصحفية الشابّة الاكتفاء بسرد قصّة واحدة، أو إحصاء عدد المرّات التي تعرّضت فيها لتحرّش باللفظ أو الايماء؛ إذ يرافقها الشعور بالانتهاك يوميا. تقول ندى: “في كلّ مرّة أتعرض فيها لتحرش، تجتاحني أفكار هدّامة. صرتُ أشكّ بنفسي؛ هل شكلي امرأة غير محترمة؟!”.

ترى ندى، وهي مراسلة تلفزيونية، أن آلية العمل الصحفي التي تتطلّب التواصل مباشرة مع الصحفيين والمصادر، التنقل، مقابلة أشخاص جدد يومياً، إضافة إلى الصورة التقليدية السلبية الملتصقة بالصحفيات، وتصنيفهن على أنهن أكثر قبولاً لهذه الحوادث، كل ذلك يجعلهن أكثر عرضة لتحرش.

وتابعت: “لا أعرف صحفية أو مراسلة لم تتعرض للتحرش، ولم تتلق رسائل على هاتفها خارج إطار العمل، إلا فيما ندر. وحين يرفضن أو يحاولن وضع حدّ، أو يعبّرن عن شعورك بالإهانة، يُقال لكِ: ألست صحفية؟ وكأنّ المتوقّع من النساء العاملات في مهنتنا أن يتقبّلن الانتهاك اللفظي أو الجسدي برحابة صدر”.

وأردفت: “تعرّضتُ لحادثة تحّرش جسدي أثناء انهماكي بالعمل. لم أشعر كيف استطاع ذاك الرجل الاقتراب مني بتلك الطريقة المخجلة أمام الجميع ليلامس مؤخرتي، ثم يقول لي: بالغلط. شعرتُ بالإهانة الشديدة، لكني تصنّعت عدم الإدراك، وحين انفردت بنفسي، بكيت كثيرا. تلك الحادثة دفعتني للبحث عن القوانين المتعلقة بهذه الظاهرة، بعد قراءة قانون العقوبات اليمني، أدركتُ سبب وقاحة المتحرشين، فالقانون اليمني لا يعرّف التحرّش ولا يعاقب عليه، إنما يحدّد مواد تتعلق بالأعمال المنافية للحشمة وخدش الحياء العام ويعاقب عليها.

تضيف ندى دارت في رأسي كثير من العبارات التي سيتداولها المجتمع إذا ذهبت لشرطة: أكيد لبسها السبب، أكيد بتمشي تضحك في الشارع، هي أصلا مش محترمة. وكأن الرجل يتحرش فقط بمن ترتدي الملابس الضيقة أو بالمثيرة للانتباه. كنت أعلم أن اللوم حتماً سيكون من نصيبي، لذلك أعود دائماً عن اتخاذ مثل هذا الإجراء.

تقول والدة ندى وهي أساتذة علم اجتماع: إذا كانت المرأة المعتدى عليها ترتدي ما يخالف ثقافة المجتمع، يصبح المتحرش تلقائياً شخصاً بريئاً، ويأتي التبرير بوضع علاقة متوهّمة، بين ما ترتديه المرأة أحياناً من لباس، أو من خلال ممارستها لأيّ نشاط آخر، يجعلها في طبيعة الحال تختلط بالرجال وتزاحمهم؛ إذ يبرّر المجتمع التحرش بإحالته إلى أحد هذه الأسباب، وإذا كانت المرأة التي المعتدى عليها ترتدي ما يخالف ثقافة المجتمع، يصبح المتحرش، تلقائياً، شخصاً بريئاً، والمرأة هي المذنبة لإثارتها غريزته بملبسها، أما إذا كانت ترتدي ما يوافق عليه المجتمع، واعتُدي عليها، تكون الإحالة الثانية لتواجدها في الشارع ومزاحمتها الرجال في العمل؛ إذ ينظر المجتمع هنا إلى أنّ مكان المرأة الطبيعي هو المنزل، وإلا فلا تلومنّ غير نفسها على ما يحدث من اعتداء خارج المنزل.

التأثير النفسي للتحرش على الضحايا

تزداد الحوادث المتعلقة بظاهرة التحرش في المنطقة، أما في اليمن بشكل عام ما زالت معظم القصص طي الكتمان، فلا توجد إحصاءات مثبتة عن عدد حالات التحرّش بالنساء. ويُعرف التحرش بأنه سلوك عدواني يصدر عن شخص بقصد الاعتداء على كرامة وحرية المرأة من دون رضاها، مما يولد لديها مشاعر ارتباك أو انزعاج أو قرف يؤثر على أدائها في الدراسة والعمل ويشوش تفكيرها في الحياة، وقد يكون لفظيا أو جسديا.
يقول الاختصاصي النفسي فؤاد أبكر: “كثير من الفتيات والسيدات يتعرضن لتحرش جنسي في حياتهن لمرة واحدة على الأقل، وبالرغم من اختلاف أسلوب التحرش، يُعدّ الألم النفسي الناتج عنه واحدًا، ولا يزول بمجرد انتهاء الاعتداء، ولكنه قد يمتدّ لسنوات عديدة، ويُستدعى بمجرد التعرض لموقف مشابه”.

ويؤكّد فؤاد أن التأثير النفسي للتحرش لا ينتهي بعد انقضاء حادثة التحرش، ولكن قد تعيش الفتاة في حالة من الصدمة المتجددة، عندما يُسترجع الذكريات المتعلقة بتلك الحادثة، أو عند توافر المثيرات النفسية التي تجعلها تمر المشاعر نفسها التي عاشتها في تلك التجربة.

ويوضح أن التحرش الجنسي من أبرز الصدمات النفسية العنيفة التي تعاني منها كثير من السيدات حول العالم، وأن تجربة التحرش الجنسي التي قد تتعرض لها السيدات والفتيات في الشوارع، ووسائل المواصلات، وأماكن العمل، أو الجامعات وغيرها تظل من أسوأ الصدمات النفسية التي تمرّ عليهن في حياتهن. إذ يتعرضن لعدد من المراحل في التعامل مع الواقعة، وتختلف ردة فعل كل منهن إزاء ذلك العنف، وتتمثل تلك المراحل فيما يلي: مرحلة الصدمة من حدوث فعل التحرش سواء كان لفظيًا أم جسديًا أم بأي أسلوب آخر، تصاف الفتاة بالصدمة، نتيجة عدم توقعها لذلك الفعل، وتختبر عددا من المشاعر بشكل سريع ومفاجئ ومتعاقب؛ إذ يغلب عليها الشعور بالخوف والرعب والتوتر والعجز، فضلًا عن الشعور بالظلم.

بعض الفتيات اللائي يستطعن مواجهة فعل التحرش، أو التعامل مع المعتدي، قد لا تمر بالمراحل التالية، إذ أثبتت الدراسات أن السيدات والفتيات اللاتي يستطعن الدفاع عن أنفسهن ضد المتحرش، وأخذ أي إجراء ضد المعتدي، يشعرن بوطأة أقل من غيرهن ممن لا يقدرن على المواجهة، وأشارت منظمة الأمم المتحدة للمرأة أن حوالي 80% ممن يتعرض للتحرش الجنسي، لا يُفصحن عن الأمر، ولا يستطعن أخذ أي إجراء ضده.

وأكمل أبكر: بعدما تختبر المرأة المشاعر المختلطة والمتعاقبة بعد وقوع صدمة التحرش، تدخل في مرحلة أخرى جديدة تعرف بـ”اضطراب ما بعد الصدمة”، وعندها تشعر الفتاة بالظلم والقهر ولوم الذات، بسبب عدم القدرة على الدفاع عن النفس، أو أخذ أي إجراء ضد المعتدي، تشعر بعدم الثقة في النفس، وتصاب ببعض الأعراض النفسية والبدنية، وتتمثل فيما يلي: التوتر، اضطرابات النوم اضطرابات الشهية، الحزن، العزلة الاجتماعية، الاكتئاب، رد الفعل العنيف تختلف فترة مرحلة ما بعد الصدمة بين فتاة وأخرى، فقد تستطيع إحداهن تجاوزها بعد أيام أو أسابيع، بينما تغرق أخرى فيها لشهور طويلة، مع الشعور بالألم النفسي، ويرجع ذلك لطبيعة الشخصية والتركيب النفسي لها، ومدى قدرتها على تجاوز الأمر، إضافة إلى طبيعة الموقف نفسه، ومدى بُعد أو قُرب المتحرش من دائرة معارفها، فضلًا عن وجود دعم نفسي من المحيطين أو عدمه.

تؤكّد ندى أنها لجأت لتلقي الدعم النفسي عبر التواصل مع أحد الاختصاصيين النفسيين، لكنها لم تتجرأ للذهاب إلى أي عيادة لتلقي الدعم، وأوضحت أن العلاج ساعدها إلى حد ما للتخلص من الشعور السلبي، ولكن تكرر تعرضها لتحرش أو سماع هذا الموضوع يسبب لها كثيرا من المخاوف.

وبهذا الخصوص، يفيد أبكر أن الفتاة عندما تبدأ في استرجاع التجربة، قد تمر المشاعر نفسها التي مرت بها وقت وقوع الحادثة، وتشعر بنفس الخوف والقلق والذعر، ويختلف تقديرها لذاتها، وينتابها شعور بالكره والغضب واللوم، وقد ترسم بعضهن سيناريو آخر لتلك الواقعة في مخيلتها تستطيع فيه انتزاع حقها من الجاني، ولا تمر جميع الفتيات أو السيدات اللاتي تعرضن للتحرش بتلك المرحلة، أو بنفس القدر، ولكن تخبر كثير من الفتيات أنها من أسوأ المراحل التي تمر بها، بسبب استعادة نفس الشعور مرة أخرى، بل مرات كثيرة تتكبد فيها مرارة الاعتداء.

من جانبها، تقول الاختصاصية النفسية فائزة الأغبر: “إن الخوف من مواجهة الآخرين والانطواء وفقدان الثقة بالنفس إذا كان التحرش وجها لوجه وبشكل مخيف يشكل خطورة كبيرة على الصحة النفسية للمرأة المتحرش بها، فيما رجّحت بأن بعض النساء يصبن بحالة الهلع الشديد، والمكوث طويلا في المنزل، والانعزال عن العالم الخارجي نتيجة تعرضهن للتحرش، ويلجأ البعض الآخر إلى الاختصاصية النفسية للخروج من تلك الصدمات.

تقول نجود (اسم مستعار): “هذا المكان بات يشكل لي عقدة نفسية كبيرة، صرت أتحضر نفسياً للنظرات وللكلمات القذرة”.

تضطر نجود يوميا للمرور بجانب المِقوات (مكان بيع القات، وهو يعجّ بالرجال)، وتشاركنا نجود إحدى التجارب القاسية التي تعرضت لها، فتقول: “كنتُ أمشي وحدي في المقوات. كان الازدحام كبيرا في ساعة الذروة، أحسستُ بأن أحدهم يلمسني. شعرت بالذعر والخوف. نظرت خلفي، وكان هناك رجل خمسيني ينظر لي بطريقة وسخة وغريبة، وقال لي جملة جنسية أخجل من ذكرها. حاولت الإسراع بالمشي والدخول لإحدى المحلات. تخلصت منه يومها، ولكني لم أتخلص من الخوف الكوابيس التي لاحقتني بعدها”. وتتمنى نجود لو أنها تصرخ حينها أو تصفع المتحرش أو تمكن من إبلاغ الشرطة حين تتعرض لمثل هذا الانتهاك، لكن المجتمع هو ما يضعفها، بحسب ما تقول.

ترجع صباح راجح، مديرة اتحاد نساء اليمن، أسباب انتشار ظاهرة التحرش الجنسي نتيجة الصمت والخوف الذي يلاحق الفتيات من الإفصاح عما يحدث لهن، والخوف من نظرة المجتمع لهن؛ إذ تصل نسبة النساء اللاتي تعرضن لتحرش الى 80٪.

ويفيد مصدر أمني في البحث الجنائي، رفض الافصاح عن اسمه أن للتحرش أسباب عديدة، ومن أبرزها، الطلاق الذي يؤدي إلى تشتت الأسرة، ويعتبر هذا السبب الرئيسي، ومواقع التواصل الاجتماعي التي اجتاحت كل منزل وتعتبر بدون ضوابط أو قيود، إضافة إلى غُربة رب الأسرة عن أبنائهم في بلاد المهجر، والفقر يُعد سبب من الأسباب، وأخيراً الابتزاز الاستغلالي.

وفي السياق ذاته تؤكد الأغبر أن الفراغ العاطفي والفكري، وقلة الوعي المجتمع الشبابي بالذات، وانعدام الوازع الديني سبب أيضا في تفاقم هذه الظاهرة.

وتقول راجح: “إن نظرة المجتمع في قضايا التحرش نظرة خاطئة؛ إذ تجعل المرأة في دائرة الاتهام، وقد تلاحقها وصمة عار إن تحدّثت عن ذلك، مما يجعلها تصمت ولا تفصح بأنها تعرضت لتحرش، وغالباً ما تكون السلبية تخوفها من نظرة المجتمع”.

ترى الناشطة الحقوقية إشراق عمر أن السبب الرئيسي لصمت الفتيات اليمنيات وعدم الافصح بما يحدث لهن من تحرش هي نظرة المجتمع للفتاة، وكأنها سبب التحرش وليست الضحية، فهي لا تستطيع أن تطالب بحقها خوفا من الفضيحة، وخوفا من نظرة الناس إليها بسبب أنها فتاة، وللأسف يكون مستقبل الغالبية مظلما بسبب التحرش؛ لأن نظرة الشاب للفتاة ضحية التحرش نظرة سيئة، وقد لا يقبل أي شاب أن يتزوجها إن طالبت بحقها في الحفاظ على نفسها من التحرش بعمل محضر أو أعلنت هذا على الملأ؛ إذ يبدأ التعامل معها على أساس سوء السمعة، وكل الذى يراها يتكلم عنها، فتتحول من فتاة محترمة إلى فتاة سيئة السمعة في نظر الناس، لتعيش حياة مأساوية حتى إن كانت مطالبتها بأخذ حقها ستنشر الوعي بين المجتمع.

القانون يخذل الضحايا

لا توجد نصوص خاصة بالتحرش، وإنما يمكن أن تؤخذ من نصوص أخرى، مثل السب الفعل الفاضح، فإذا دخل التحرش إلى السب والفعل الفاضح، فهي جرائم يعاقب عليها القانون.
تقول الحقوقية والمحامي غزة يحيى: “إن أحد العوائق الأساسية للتعامل مع التحرش الجنسي في اليمن هو الإطار القانوني غير الملائم؛ إذ لا يوجد في اليمن قانون محدد لمعاقبة التحرش الجنسي، ومع ذلك هناك قانون لمعاقبة الفعل الفاضح على النحو المبين في المادة 273 في قانون العقوبات اليمني، فإنه يُجرّم أي عمل يسيء إلى الآداب العامة أو الشرف أو القيام بكشف المناطق الخاصة أو التحدث بطريقة مسيئة. وتنص المادة 274 من القانون نفسه على المعاقبة بالحبس لمدة لا تزيد عن 6 أشهر أو بدفع غرامة عن أي شخص يرتكب فعلا فاضحا يمكن رؤيته أو سماعه من الآخرين. إن الثغرة في قانون العقوبات هذا أنه لا يعطي تعريفاً واضحاً لما يُقصد به من مخالفة الآداب العامة. وهذا يجعله خاضعا لفهم المنفذ لهذا القانون، مما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى عواقب وخيمة للنساء”.
تتساءل غزة: “لماذا نجد قضية التحرش الجنسي في اليمن تعتبر أكثر قضية يُبرر لمرتكبها بكل استماتة؟ فنجد أن المجتمع لا يبرر للسرقة ولا للقتل ولا لأي جريمة أخرى كما يفعل مع التحرش والمتحرش فلماذا برأيك ذلك التبرير المستمر والمُستميت؟؛ لأن ضحايا السرقة والقتل يتكلمون ويُبلغون الشرطة ويطالبون بمعاقبة الجاني، فيكسبون بذلك تعاطف الناس؛ لأن ما تعرضوا له من سرقة أو قتل قد يحصل لأي شخص، بالإضافة إلى أن قانون العقوبات واضح في مثل هذه النوعية من الجرائم، ولكن يختلف الأمر مع التحرش؛ لأن المجتمع والقانون لا يُجَّرم التحرش بجميع أشكاله، وإذا حصل أن قام بتجريم أي اعتداء جنسي، فإن العقوبات القانونية تكون بسيطة كما هو الحال في القانون اليمني الذي ينص على أن عقوبة الفعل الفاضح سجن ستة أشهر أو غرامة مالية قدرها ألف ريال يمني فقط.”

صمت الضحايا يفاقم الظاهرة

النقطة الثانية أن سكوت الضحية أسهم بشكل كبير في ذلك، وأحب أن أنوه هنا أن المقصود بكلمة “الضحية” يشمل كلاً من الرجل أو المرأة. بالإضافة إلى أن لوم الضحية، خصوصا إن كانت امرأة، له جذورٌ تاريخية تزداد حدتها كلما افتقر المجتمع للعدالة والمساواة.
تقول بشرى العنسي هي إحدى ضحايا التحرش: “لم أستطع السكوت عندما تعرضت لتحرش من زميلي، فتوجهت إلى محامي مختص لرفع قضية ضده”.

وأوضحت بشرى لأنني إعلامية ولي علاقاتي وتواصلي مع الشخصيات المختلفة حولي، كان من الطبيعي أن نتبادل النقاش حول أمور وقضايا وطنية وعامة تُثار حولنا في الفضاء العام ومواضيع متنوعة مع هؤلاء الزملاء، وهو زميل مهنة كنا نتبادل الأحاديث بين فترة وأخرى، ولم يكن الزميل الوحيد الذي أتبادل معه الأحاديث والنقاشات، لكن لم يحدث أن تجاوز أحد حدوده معي كما فعل هو، وبذلك الشكل الصريح”.

وتابعت بشرى: “في ذلك اليوم الذي أرسل لي فيه فيديو يحتوي على إيحاءات إباحية لا تليق بأن يرسلها زميل لزميلته ودون مراعاة حدود الاحترام والزمالة بيننا”.

وعن سؤالي لها حول سبب لجوئها للقضاء من دون الاهتمام بنظرة المجتمع، قالت: “وضعتُ القضاء اليمني أمام قضية جديدة من نوعها، ولأول مرة يواجه القضاء قضية كهذه، ولأن اللجوء للقضاء هو سلوك إنساني راق ومتحضر وحق كفله القانون، قررت أن أسلك هذا الطريق وأعبّده للنساء من بعدي لعمل حد للانتقاص من المرأة ولإعادة تشكيل وتصحيح نظرة المجتمع والقانون لها”.

بدأت بشرى بالاستشارة القانونية ومشاورة بعض القضاة والمحامين الذين آمنوا بالقضية وتجاوبوا معها؛ إذ إنها ستفتح بابا لمعالجة جانب مهم تعاني منه النساء في المجتمع، ولأنها مع البدء والاستمرار فيها حرصت فيها بالدرجة الأولى على حماية حدود واحترام ومكانة المرأة وصولا إلى تشكيل اختراق في القانون لوضع قوانين تحدّ من التحرش الإلكتروني وتجرمه وتضع عليه العقوبات، وأكملت بشرى: “حاليا الملف بيد النيابة والبحث الجنائي لجمع المزيد من الاستدلالات والوصول إلى موقع وعنوان المدعى عليه لتحرير أمر إحضار واستدعاء”.

يصرح مصدر أمني رفض الإفصاح عن اسمه أن الاجهزة الأمنية تتلقّى بلاغات التحرش من بعض النساء والفتيات والأطفال والأحداث، ولكن بنسبة قليلة جدا، نتيجة الخوف الذي يتولّد لدى النساء من تشويه سمعتها بين المجتمع، وأوضح أن نسبة الوعي في هذا الجانب قليلة جدا بسبب الخوف والجهل في القوانين التي تردع المتحرشين، ونسبة القضايا التي وصلتنا قليلة جدا، وتقدر بنحو 30 %.

تعد بشرى أول امرأة يمنية تلجأ للقضاء وتتحدّث عن تعرضها للتحرش علنا عبر مواقع التواصل، وقد أثارت هذه القضية ضجة، وانقسم الرأي العام ما بين مناصر مؤيد وناقم معارض، وهذا شأن أي قضية في كل حال لها مؤيديها ومعارضيها، لكن الاختلاف هنا في الكيفية التي استقبل بها المجتمع هذه الحادثة وتعاطيه معها.

وحول التأثير النفسي الذي تعرضت له بشرى تقول: “حقيقة وقبل أن أفكر في خوض هذا المعترك ومواجهة المجتمع قضية كهذه، كنتُ مستعدة لتلك المواجهة، ولم يستغرق الأمر مني كثيرا من الوقت لأقرر البدء، ولم أتردد في طرحها على الرأي العام، فأنا أعرف وأعي جيدا العقلية والكيفية التي ينظر بها المجتمع للمرأة من مختلف الجوانب، وكنتُ قادرة على أن أتوقع ردة الفعل العامة للناس والمجتمع والشخصيات العامة والمسؤولة، هو شيء أشبه بالاستعداد النفسي والذهني لتلتقي الجلد من مجتمع جاحد لحق المرأة يستكثر عليها دفاعها عن حقها ونفسها وكرامتها وحدودها مع كل من يحاول أن يمسها أو يتخطاها”.

وأكملت: “ردة فعل الجانب المعارض تخطّت الحد المعقول لحدود الأخلاق والقيم، فبدلا من انتقاد وطرح وجهات النظر حول الموقف، تحول الأمر إلى خوض مباشر في شخصي وعرضي وسمعتي وإلى الخوض في أهلي الكرام، حتى طفلتي طالها التعدي بالخوض في عرضها والتحرش اللفظي بها، وهي طفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها، وليس لأحد الحق في التعدي بهذا الشكل القبيح والبشع، الأذية تخطت كل الحدود الممكنة والمعقولة، وتعدّت حدود الإنسانية والقيم والأدب، تهم وفبركة صور وتأليف قصص وخوض في حياتي الخاصة، تجاوزت الأمر حتى وصلت إلى حدود مكان إقامتي هنا بماليزيا، وهجوم غير مبرر ولا يدل إلا على خوف هؤلاء من النساء القويات اللاتي سيفتحن عليهن أبواب من المساءلة والمحاسبة على غلوهم في تجاوز الحدود مع الكثيرات اللاتي تمنعهن أسباب كثيرة عن التصدي لأمثال هؤلاء مع العلم أن المتحرش كان له الدور الرئيسي والأكبر في تأجيج الرأي العام وتوجيهه ضدي بعد تعليقه على موقفي ورده بعدة منشورات على صفحته في الفيس بوك، وتبادله التعليقات بشكل مسيء لي بشكل صريح إدلائه بتصريحات باطلة عني، وعما كان يدور بيننا من أحاديث ونقاشات، وأنا قادرة على إبطال كل ما ادعاه بحقي ودحض ادعاءاته، لكني حريصة أن لا تتحول القضية إلى مناكفات وجدال وتخرج عن مسارها وهدفها الأساسي، وأود التنويه هنا أني حين طرحت القضية على الرأي العام لم أتعرض لشخصه ولا حياته الخاصة ولا عرضه، بل لجأت بسلوك مدني إلى القضاء لأخذ حقي وحق كل امرأة يمنية مشجعة بذلك كل النساء أن لا يصمتن ولا يرضين بالتقليل من احترامهن ومكانتهن تحت مسمى الزمالة والصداقة والعمل أو أي مسمى آخر، وأن لا يترددن في وضع حد لكل من يفكر بتجاوز حدّه معهن بالمقابل، وكما رأى وشهد الجميع، فالكل خاض في شخصي وعرضي وسمعتي وأهلي وابنتي وحياتي الخاصة، وكان هو المتسبب في هذا الضرر بالدرجة الأولى، وهنا اختلاف الموقف والمنطلق الذي يتحرك بناء عليه كل طرف.

مؤخرا، توجَّهت بعض دول العالم لتصنيف التحرش الإلكتروني واحدة من الجرائم الإلكترونية الخطيرة، إذ تتمثّل خطورته في أنه يدمر حياة كثير من الأسر، خصوصا في المجتمعات المحافِظة، وهو لا يختلف كثيراً عن أنواع التحرش الجنسي الأخرى، إذ إنَّ نفس الطرق والأساليب تؤدي إلى الإيقاع بالضحية، وإن اختلف المكان والوسيلة التي جاء منها.

وعن رأيه بهذا الخصوص، يقول المحامي مشير جهلان: “إن هناك نسبة بسيطة جدا من الفتيات اللاتي يلجأن إلى القضاء لنصرتهن، تكاد هذه النسبة لا تتجاوز ٤٪، وأعاد ذلك إلى أن المجتمع اليمني مجتمع محافظ، وتخشى المرأة أن تتعرض لشيء من التنمر أو الكلام الذي قد يصدر من المجتمع المحيط بها متى تعرضت للتحرش حفاظا منها على سمعتها. وهي بذلك تظلم نفسها علاوة على ظلم المجتمع لها، وأيضا تترك مجال للأشخاص المتحرشين الذي انتزع منهم الوازع الديني أو القيم، مما يسبب في ازدياد هذه الظاهرة، وأكد بأن هناك فتيات التجأت للقضاء لنصرتهن، ولكن هن أولئك اللاتي تعرض للتحرش عدة مرات من الشخص نفسه الذي لم تستطع أن تعيش حياتها اليومية بسلام بسبب أفعاله.

تقول غزة: “القانون اليمني ينص على حبس من يثبت تحرشه بامرأة أو شاب، فإن العقوبة لا تطبق لعدم الإبلاغ عن مثل هذه الحالات من ناحية، ولصعوبة إثبات الواقعة من ناحية أخرى، مشيرة إلى أن الحلول في تكاتف المجتمع، وهي أهم السبل للقضاء على الظاهرة، وضرورة تفعيل القوانين حتى تشعر المرأة بالحماية والأطفال المراهقين، ليكون عقوبة رادعة للمتحرشين، ليفعل بشكل جدي، كما يجب أن يتمتع الاولاد والمرأة بالقوة للإبلاغ عن مثل هذه الحوادث والتبليغ عن الجاني”.

دعم وحلول

يقدم نساء اتحاد اليمن بدور المناصرة لقضايا النساء وتقديم برامج وأنشطة في الحماية والتأهيل والتدريب،
وللاتحاد دور بارز في جانب قضايا النساء وفيما يخص التحرش، ويقوم الاتحاد أولا بالتوعية، ثانيا متابعة قضايا التحرش قانونيا، وتضيف صباح راجح رئيس اتحاد نساء اليمن أن كثيرا من النساء لا يصرحن بالتحرش وتتأثر نفسيا، والاتحاد لديه برامج دعم نفسي، إذ يقدم لهن كما يتم تقديم العون القانوني لمن ترغب. مؤكدة بأن التحرش يصيب بالأمراض النفسية، وهناك حالات قُدّم لهن الدعم النفسي والقانوني، فيما لا توجد إحصاءات لعدد النساء اللاتي يلجأن لهن بهذا الخصوص، ولكن بشكل عام زادت ظاهرة التحرش بشكل كبير ومخيف حسب ما تصف.
من جانبها أيضا تقول غزة: “إن للمؤسسات التعليمية دورا فعالا في مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي باعتبارها الأداة الأهم في تشكيل الوعي والمحاولة الجادة في القضاء على هذه الظاهرة ونشر الوعى، وذلك بالعمل على نشر الثقافة الجنسية بين الطلاب وعقد الندوات التوعوية للشباب في محاولة لتحجيم ظاهرة التحرش الجنسي وبيان الأضرار الناتجة عن هذه الظاهرة وتطوير مناهج التعليم للإسهام في نشر الثقافة الجنسية السليمة بين الشباب، والمساعدة على كسر الحاجز النفسي فيما يتعلق بمثل هذه المشاكل وعمل دورات تدريبية للمدرسين لتوعيتهم بمدى خطورة المشكلة وأسبابها وكيفية مواجهتها، ومن ثم كيفية التعامل معها حتى يقوموا بالتوعية السليمة لطلابهم مع التعاون بين المنظمات المؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية والجهات المختصة لمعالجة الحالات التي تعرضت للتحرش الجنسي عن طريق متخصصين نفسيين واجتماعيين، والقيام بعمل برامج إعلامية تناسب كل مرحلة ونشر الوعي بخطورة المشكلة وآثارها السلبية في المجتمع اليمني.

وأضافت أن أبرز الحلول لا بد أن يكون لمؤسسات الدولة أولاً، ونبدأ من المدرسة والبيت والإعلام وغيره، وأيضاً أن يكون لمنظمات المجتمع المدني دور يتناول هذه الظاهر بشكل جدّي وعمل توعية للمشاكل التي قد تؤدّي لها هذه الظاهرة، وأيضاً وضع اليد على الأسباب التي أدّت إلى ذلك، ويجب على القائمين سن قوانين تردع الشخص القائم بهذا العمل الحيواني والذي يتبع غرائزه.

إلى أن التحرش بالألفاظ البذيئة هو سلوك منتشر في اليمن، وظهور التحرش باللمس المباشر في مناطق حساسة للمرأة أو الأولاد، وهذا منتشر بشكل كبير خاصة في الأسواق والباصات العامة والأماكن المزدحمة، وهذا أدى بدوره إلى ظهور الاغتصاب والخطف، إلا أنه لا بد من عمل حد لهذا التصرف القبيح والمؤذي والمدمّر للأولاد تحت سن المراهقة أو المرأة، وأنا برأيي يكون عن طريق وضع قانون خاص بهذا الموضوع الخطير الذي يهدد حياة كثير منا.

وأشارات “اعتقد أن الكوارث تحصل والمصائب بسبب عدم وجود قانون صارم لمثل هذا الظاهرة الاجتماعية السيئة؛ إذ إن غياب دور منظمات المجتمع المدني لمناقشة هذه المواضيع المهمة وللأسف المنظمات تستهدف مواضيع متكررة مثل حقوق المرأة والإنسان.”

“متحرش اليوم” صفحة اجتماعية أُسست بسواعد شبابية تطوعا من دون أي مقابل مالي أو مادي. الصفحة غرضها التقليل من ظاهرة التحرش والابتزاز سواء على الإنترنت أم في الشوارع، وقد أنشئت الصفحة عام 2019م. يقول مسؤول الصفحة القضايا التي نتهم بها: التحرش الإلكتروني وغير الالكتروني، الابتزاز الالكتروني وغير الالكتروني، مساندة الضحايا من تتعرض هواتفهن للاختراق أو غير ذلك.

يقول أحد أعضاء فريق صفحة “متحرش اليوم”: إن عدد البلاغات التي تلقّوها إلى الآن تتعدى 10 ألف بلاغ، من بينها شكاوى بسيطة متوسطة، خطرة، وشكاوى مزيفة، وشكاوى لا علاقة لها بالتحرش.

ويضيف بأن الفريق يقوم بمعالجة القضايا حسب مدى خطورتها موضحاً عندما تكون القضية متوسطة إلى كبرى نتخذ إجراءات أخرى ونوجه الضحايا للإبلاغ إلى أقرب قسم شرطة، ثم نتابع القضية بعد أن تُرفع للأجهزة الأمنية، ويؤكد أن لديهم تعاونا مع الجهات الأمنية وتجاوبهم ممتاز، وذلك يُسهم في إنقاذ الضحايا في ظل انتشار هذه الظاهرة.

تشير غزّة إلى أن هناك عدة مقترحات كانت لتعديل قانون العقوبات في السنوات الأخيرة لجعل جريمة التحرش الجنسي أكثر وضوحاً وتحديداً وأيضاً لزيادة الوعي بسوء تطبيقها في الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال في عام 2009 قام اتحاد نساء اليمن بعمل ندوة بعنوان: “قانون الفعل الفاضح- ما بين التطبيق الخاطئ والاستيعاب القانوني”، وكانت مخصصة بشكل كامل لهذه القضية، لكن على الرغم من هذه المبادرات، لم تتخذ كثير من الإجراءات على الجهة القانونية. ولذلك لا يزال كثير من الناس يتطلعون إلى التغيير المجتمعي للحصول على حلول، بحسب المشاهد.

أنتجت هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى