أقلام رصاص

الوحدة اليمنية.. هل ما تزال جاذبة وقائمة؟ بقلم| عبدالرحمن بجاش

بقلم| عبدالرحمن بجاش

هل يجوز مثل هذا السؤال: الوحدة اليمنية، هل ما زالت قائمة؟

بالنظر إلى المعطيات الحالية، يمكن القول إنّ بلدًا توحد في العام 90 بناء على معطيات وحسابات شخصية ” كلٌّ يهرب إلى كله”، هي من أتت بوحدة ظلت حلمًا جاذبًا وعظيمًا، فصغر بفعل الدسائس وقصر النظر إلى أمر صغير تمحور حول أراضٍ تحولت إلى منازل ودكاكين، وظل حلم الناس بها قائمًا، لكنه ضرب بالمعول والفأس حتى انهار كقيمة في نظر شعب يحلم به، وأصر بعض السياسيين، من كان بيدهم الأمر، على أن تقتلع أسواره من الجذور.

وبعد 32 عامًا، هل ما زالت قائمة؟

بالنظر إلى حالة التشظي القائمة بفعل المشاريع الأصغر من حلم الناس، جرى ضربها تباعًا حتى تحول الوطن بكله إلى مساحات يقتطعها الجيران، وهو ما بيّن مشاريعهم التي اصطدمت بمنجز بحجم الجبال، جرى تخريبه بفعل الشك الذي أتت به نية الهروب تخلصًا من وضع كارثي كان الشطران يعيشان على مستوى القمة .

الوحدويون ممن ساهموا في إنجاز حلم اليمنيين لن يقبلوا مثل هذا الكلام أو الاستنتاج في أن الوحدة لم تعد ذلك المشروع الوطني الجاذب، لما آلت إليه الأوضاع حتى تفجرت في العام 94 الخطأ الأكبر الذي ارتكبته قيادة الشمال، وذلك الاعتكاف والانفصال الذي أعلن في الجنوب، فسهل أمر من كانوا لا يريدون الوحدة من الأساس، ولنا عبرة ودليل في الاستفتاء على دستور دولة الوحدة، فقد قالوها: لا، وراحوا يحرضون على الحرب بالفتاوى وشحن قناعات الناس بإلحاد الجنوب وضرورة ضرب الاشتراكي حتى ندلف من باب الجنة، فإذا بالبلاد تدلف من باب النار وإلى اللحظة!

هل كانت عملية التوحد فخًّا جرى استخدام من لم يريدوها، بل اعتبروها شرًّا محضًا؟

الوحدويون رأوا في العام 90 تحقيقًا لحلمهم، وآخرون تبين أنهم رأوا فيها فخًّا لضم الجنوب وإعادته إلى بيت الطاعة بدون “ملحدين”!
ما جرى بعد ما رأوه انتصارًا عظيمًا في 94 بيّن بالتالي أنهم كانوا مبيتين النية كما بيتوها ليلة نزول الحمدي إلى عدن، كان لا بد للوحدويين أن يأخذوا الأمر على مأخذ الجد ويعملوا على ضمانة واحدة، التدرج حتى الوصول إلى الوحدة الكاملة، لكنهم وهم أصحاب النوايا الوطنية العظيمة لم يعملوا حساب اغتيال الحمدي الذي كان بمثابة إنذار لمن يفكر في إتمامها بشروط الوطنيين إلى أنه سيلقى مصير علي الذي خصاه علي!

في هذه البلاد ينقسم الناس، وبالذات طبقة من يحكمون ومن لهم مصلحة حول المشاريع العظيمة بين متعاطف بحماس يعميه عن النظر إلى كل التفاصيل التي يفترض أن يكون قد عُمل حسابها، وبين من له غرض جرى الاتفاق عليه إقليميًّا لوأد الحلم، ليؤدي بالأمر كله إلى التوقيع على اتفاقية الحدود التي تبين أنها دبرت في ليل، كان الثمن الموازي: نوافق على الوحدة، ولكن بمقابل التوقيع!

نحن عاطفيون، ولذلك يسهل على الحاكم خداعنا، ويسهل ترويج الشعارات الجاذبة لقلوبنا، لكننا شعب صادق يجري دائمًا التلاعب به بلؤم وإدراك أمر العواطف التي تذهب بنا مذاهب شتى.

والآن، ماذا تخبئ لنا الأيام بالنظر إلى معطيات فرضتها حرب مستمرة أدّت الآن إلى متغيرات كثيرة، يكون معها السؤال التالي مشروعًا: هل ما تزال الوحدة اليمنية قائمة؟ السؤال صادم، لكن لا بد منه.

تبدو -وهذا حقيقي- تبدو الخارطة متشظية بين الحوثيين والإصلاح، والإمارات في تهامة، والسعودية بين نشطون والخراخير، ولا يمكن للمرء أن يتجاوز خط الطيران المباشر بين أبوظبي وسقطرى وهو أمر له دلالة لا تخطئها العين، أنبوب يمتد بين الخراخير ونشطون وعملية تجاذب بين الأطراف الثلاثة: الإمارات وعمان والسعودية، كلٌّ يريد أن يسحب المهرة إليه!

الأطراف المحلية المتحاربة ترفع شعارات مثل الوحدة والوطن اليمني، ولا ترفع شعارًا يؤدي إلى المستقبل، لأن الصراع قائم على رؤى دينية مذهبية، أتحدث عمن يملك القوة على الأرض، تعز، صنعاء، وهناك “شرعية” تتقاذفها أمواج الإقليم بين الإصلاح والحوثيين الذين يتقاتلون على الأرض، في الأخير حتى إذا تمت بينهما صفقة بموجبها يتقاسمون، ستكون علامة الاستفهام حول الوحدة التي لن تستمر طالما والانتقالي هو الآخر يمنع -كما قيل- الاحتفال بعيد الوحدة التي لم يعد الناس يتحدثون عنها، خاصة في الجنوب بعدما تبين لهم أن حلمهم تبدد، وإن كان الوطن في قلوبهم، لكن شأنه بيد النخب والأدوات!

لا أحد يستطيع التكهن، خاصة وما يجري في أوكرانيا نتيجته إعادة رسم للخريطة الأكبر مهما كانت الحرب، حيث تجري صياغة العالم بما يتفق ورؤية الأقطاب الذين يتوزعون الخارطة في اتفاق يالطا من جديد!

الوحدة اليمنية كما تمناها من حلموا وعملوا من أجلها، مستقبلها مرهون بما ستؤول إليه النتيجة العامة، في اللحظة الراهنة ترينا الأمر هكذا: إيران في الصف الروسي، والسعودية خرجت من بيت الطاعة، والإمارات كلاعب جديد تبحث عن مصلحتها بغض النظر عن الشعارات الكبيرة، والتي تحولت فلسطين إلى سلعة يتاجر بها حاكم عربي استمر حاكمًا بفضل المزايدة بها، لتذهب الراية إلى حزب الله وإيران وغزة، وتركيا تلعب على كل الحبال، وباكستان يزاح خان لأنه خان الأمانة كما ترى واشنطن، لكن الهند تستقل بقرارها من الموقف من العملية الروسية إلى إيقاف بيع القمح، وهناك اليابان التاجر الشاطر التابع للمتبوع، لكن الصين تدري أين تضع أقدامها، وعلى العرب أن يلحقوها إن كانوا قادرين!

ونحن أصبحنا ضمن ملفات كثيرة يقرر من يحملها أي مصير ستؤول إليه الوحدة التي تعني وطنًا.

هل ما يجري الآن يعززها أم أن الطبخة تفاجئنا بما لم نتوقع، هنا السؤال الأهم.

مشكلة هذه البلاد أنْ لا أحد يقرأ ويقيّم، بل إن الشعار “ما بدا بدينا عليه” هو ما يتحكم في الرأي والرؤية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى