أقلام رصاص

من يحمي الصّحافيين ويضمن حقوقهم في ظلّ جرائم الاحتلال؟ بقلم| علي مطر

بقلم| علي مطر

“الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب”، والحقيقة اليوم هي شيرين أبو عاقلة؛ شيرين التي انتصرت على الاحتلال، ووجّهت البوصلة الحقيقية نحو فلسطين، ولم يرعبها الاحتلال وقواته المدججة بالسلاح، وكانت أقوى من كل رصاصاته، لتكشف أكثر وأكثر وحشية الكيان الإسرائيلي المؤقت وهمجيته، وتثبت أنَّ الرهانات على الاحتلال خاسرة، فهو قاتل همه الوحيد أن لا تُنقل صورته البشعة أمام الدول الجائرة التي تسانده.

لقد كرَّست الشهيدة البطلة شيرين أبو عاقلة حياتها للكشف عن التمييز الإعلامي الذي يمارسه الاحتلال، وأبت إلا أن تسمّي الأمور بمسمياتها، فالحقيقة أن “إسرائيل” هي كيان محتلّ، وليست “دولة”، كما تسمّيها بعض وسائل الإعلام العربية، لكنَّ الاحتلال أبى إلا أن يظهر صورته الحقيقية المتمثلة بالقتل، فكانت شيرين هي الضحية، إذ لا يحترم الكيان أية معايير إنسانية، ولا يلتزم بكل المواثيق الدولية التي تؤكد حماية الصحافيين، رغم أن القانون يحمي العاملين في وسائل الإعلام، لما لهم من دور كبير في التأثير في مجريات النزاعات المسلحة والرأي العام حولها، ما يجعلها عرضةً للاستهداف المباشر.

للأسف، يزداد تعرض الصحافيين والإعلاميين لخطر الإصابة أو الموت أو الاحتجاز أو الاختطاف خلال تغطية الصراعات والنزاعات والأحداث التي قد تحصل في غير منطقة من العالم، عند تغطيتهم الإعلامية لهذه الأحداث من قلب اللهب، كما حصل خلال تغطية شيرين الطويل للصراع العربي الصهيوني، وخصوصاً أن الخطورة تكمن في أن هذا الاحتلال لا يحترم المعايير الدولية، بل قام بقتل شيرين بكلِّ دم بارد خلال عملية الاقتحام الهمجية التي قام بها جنوده لمدينة جنين، والتي أطلق فيها الرصاص الحي باتجاه المتظاهرين والطواقم الصحافية، رغم ارتداء هذه الطواقم سترة الصحافة التي تميزهم عن غيرهم أثناء التغطيات.

إنَّ ما يقوم به الاحتلال بحق الصحافيين اليوم تعدى كل أشكال القمع والاعتقال والاحتجاز والمنع إلى القتل المباشر والاغتيال، وهذه جريمة تستوجب المحاسبة والمساءلة والتجريم، وفقاً لكل القوانين والمواثيق الدولية، فالقانون الدولي أكد حماية الصحافيين، إذ إنَّ عمل الصحافي هو عمل محفوف بالمخاطر، لكونه ينقل الحقائق من قلب الحدث مباشرة. لذلك، يجب أن يكون محمياً، وخصوصاً أن التعرض له بأذى يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.

الصحافيون يتمتّعون، باعتبارهم مدنيين، بحماية القانون الدولي الإنساني من الهجمات المسلحة على أنواعها، وتشكّل أي مخالفة لهذه القاعدة انتهاكاً خطراً لاتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول، فضلاً عن أن التعمد في توجيه هجوم مباشر ضد شخص مدني يرقى أيضاً إلى جريمة حرب بمقتضى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ويحق للصحافيين تغطية النزاعات المسلحة بصفتهم مدنيين يعملون باستقلالية عن القوات المسلحة، وفقاً للبروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جنيف الصادرين في العام 1977، ولا يجوز استهدافهم، وبالتالي يجب معاقبة الاحتلال على هذه الجريمة.

ويكفل القانون الدولي، بما يتضمن من اتفاقيات وقرارات وتوصيات، حماية الصحافيين من كلِّ أشكال العنف. هذه القرارات عديدة وموثّقة في الأمم المتحدة من أجل حماية الصحافيين وتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم في كل الأوقات، فقد نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكلِّ شخص الحقَّ في حرية الرأي والتعبير، من دون تقيد بالحدود والجغرافيا”، وهذا ما أكده أيضاً العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1966. وقد أكد إعلان اليونيسكو إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام العالمي والتفاهم الدولي.

وأكَّدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العام 2010 أنه “يلزم لحرية الصحافة حماية خاصة كي تتمكن من أداء دورها الحيوي المنوط بها”. وكذلك كفلت حماية الصحافيين كلّ من اتفاقية جنيف للعام 1929 في المادة 81، والمادة 13 من اتفاقية لاهاي 1907. وهناك أيضاً قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2673 ومشروع الاتفاقية الدولية لحماية الصحافيين المكلفين بمهام خطرة.

وكذلك، نص القرار 1738 الصادر عن مجلس الأمن الدولي على “إدانة الهجمات المتعمدة ضد الصحافيين وموظفي وسائل الإعلام والأفراد المرتبطين بهم أثناء النزاعات المسلحة، ومساواة سلامة وأمن الصحافيين ووسائل الإعلام والطواقم المساعدة في مناطق النزاعات المسلحة بحماية المدنيين هناك، واعتبار الصحافيين والمراسلين المستقلين مدنيين يجب احترامهم ومعاملتهم بهذه الصفة”. هذا القرار يعتبر من أهم القرارات التي تؤكد حماية الصحافيين.

وقد ضمن البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف صراحةً حماية هؤلاء، إذ أكدت المــادة 79 من البرتوكول الإضافي الأول للاتفاقيات الأربع تدابير حماية الصحافيين، إذ يعد الصحافيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين ضمن منطوق الفقرة الأولى من المادة 50، التي شددت على وجوب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات.

هذه الاتفاقيات بالغة الأهمية، لكونها تنظم حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، وتعتبر كل من يتعرض للصحافيين ويؤذيهم ويخطفهم ويقتلهم مجرم حرب، ويصبح ملاحقاً من قبل المحكمة الجنائية الدولية بمجرد تحريك دعوى ضده.

وعندما توصي اللجان المتخصصة بمعاقبة من يخالف اتفاقيات جنيف، ينتظر أن ترفع الأمر إلى مجلس الأمن، وهذا ما تفعله أيضاً المحكمة الجنائية الدولية. وسبق لمجلس الأمن أن أحال ملفات جنائية على المحكمة الجنائية الدولية لارتكاب جرائم دولية، وهي الجرائم الملحوظة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المخالفات الجسيمة التي ذكرتها المادة 147 من الاتفاقية الرابعة، وهو ما أكده الخبير في القانون الدولي الدكتور شفيق المصري خلال ندوة حول “القانون الدولي الإنساني والإسلام” في الجامعة الإسلامية في لبنان.

وكما يتضح، إن القوانين الدولية الحالية لحماية الصحافيين كافية لذلك، ويجب أن تؤمن حماية واقعية لهم، ولكن المشكلة تبقى في التطبيق وآليات التحقيق والمتابعة القانونية ومعاقبة الجناة وعدم الإفلات من العقاب، أو التعامل بمعايير مزدوجة خلال التحقق مما يحصل مع الصحافيين ومعاقبة من يؤذيهم، ولكن على الرغم من وجود كل هذه القوانين، لا يزال الصحافيون يتعرضون لشتى أنواع الأذى من قبل الكيان المؤقت من دون أن يحرك أحد ساكناً ضده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى