أقلام رصاص

هل يهدد الانقسام الأمريكي الداخلي العالم؟ بقلم| أسامة عبدالرحمن جميل

بقلم| أسامة عبدالرحمن جميل

كان حادث اقتحام الكابيتول الأمريكي من قبل عدد من المتظاهرين المؤيدين لترامب في العام 2020، لحظة محورية تمثل إلى أي حد قد تسوء الأمور في أمريكا!

صعود ترامب نفسه للسلطة كان مؤشرًا أكثر وضوحًا، حيث اعتقد الكثيرون منذ عقود أن تناوب الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين لا يمثل تغيرًا حقيقيًّا في سياسية أمريكا تجاه العالم، حيث تعمل مؤسسات الدولة العميقة بشكل ثابت ولا يستطيع الرئيس أن يغير بشكل جذري من سياسات البلد الخارجية أو حتى في الداخل، ورغم أن منصب الرئيس -دستوريًّا- يعطيه صلاحيات واسعة إذا ما استخدمت بشكل مثالي، وهو أمر بدا دائمًا مستحيلًا، فإنه سيكون قادرًا على إحداث تلك التغييرات الجذرية!

عندما وصل ترامب للسلطة بشكل مفاجئ في العام ٢٠١٦، كانت التوقعات السائدة أن الأمر لن يتغير كثيرًا، فتناوب الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين على الأقل منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات على رئاسة البلد لم يظهر الكثير من التفاوت في إدارة الدولة وسياساتها الخارجية، كان المحافظون الجدد -وهو الاسم الذي اشتهر في عهد بوش الابن للتيار الجمهوري البارز- وأيضًا الليبراليون الجدد والذي يمكن القول إن الرئيس الأسبق أوباما هو أحد أهم المعبرين لتلك المدرسة في الحزب الديمقراطي، يخوضان سياسات دولية متشابهة إلى حدٍّ كبير، حيث دشن الأول الحروب على الإرهاب بينما لم يوقفها الأخير، أما في الداخل فكانت السياسات الضريبية، وهي التي تحدد الفروق الأساسية بين المدرستين عمومًا لم تتغير عند مقارنة عهد الرئيسين!

بدأت تظهر الفروق الأساسية التي يمكن أن يحدثها رئيس يتربع على هرم السلطة التنفيذية الأمريكية في عهد ترامب، حيث أعلن بوضوح أن أمريكا يجب أن تغير سياستها العالمية، عليها أن تنكفئ للداخل ولا تنفق المزيد من ثرواتها في الحروب اللانهائية في الخارج، وهي كقوة عظمى يجب أن تركز أكثر على عدوها الرئيسي والذي يمثل تهديدًا وجوديًّا لها، من خلال قدرته المتوقعة على تغيير أسس النظام العالمي بالكامل، وبالتالي فقدان أمريكا لميزاتها الأساسية التي جعلت منها القوة المهيمنة على العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ترامب كان يقول بشكل واضح، إن هيمنة الجيش والمجمع الصناعي العسكري يقود أمريكا إلى الاضمحلال، فهي تنفق بشكل هائل على حروب ولا تجني منها بالمقابل أي شيء مهم، وأكّد ترامب في خطاب له أثناء زيارة لإحدى القواعد العسكرية القليلة المتبقية في العراق بالقول: “بعد أكثر من عقد ونصف من حرب العراق دخلت طائرتي الأجواء العراقية بدون إضاءة، ولم يتم الإعلان عن هذه الرحلة لأسباب أمنية، لقد أنفقنا أكثر من ٨ ترليون دولار في حروب العراق وأفغانستان، وتم إيهامنا أن هذه الحروب ممولة من الدول الغنية في الخليج، لكن في الحقيقة كانت تلك كذبة يروجها محبّو الحروب (المؤسسة العسكرية) فقد تحمل دافع الضرائب الأمريكي أكثر من ٩٠% من تكاليف تلك الحروب، بل ومن تكاليف حماية تلك الدول التي اعتقدنا دائمًا أنها تمول حروبنا”.

سياسة الفوضى

في الوقت الذي كانت تنفق أمريكا تريليونات الدولارات على حروبها وتدخلاتها العالمية، وحفاظها على دورها العالمي. كانت الصين تنمو بمعدلات تفوق 10% على أساس سنوي مستفيدة من نظام العولمة الأمريكية وقوانينها العابرة وسياسات السوق المفتوحة.

قد يقول البعض إن أمريكا تقوم بذلك الدور مقابل قبول العالم للدولار الأمريكي الذي تقوم بطابعته بدون غطاء ويتعين على العالم قبوله! ربما كان الأمر صحيحًا لوقت طويل، ولكن بعد أن اقترب الدَّين العام الأمريكي من نسبة تزيد عن الناتج القومي تكون أمريكا هي الخاسر الأكبر، حيث موازينها التجارية مع معظم دول العالم سالبة وخدمة الدين العام تمثل الحصة الكبرى من الموازنة الحكومية الأمريكية متفوقة على ميزانيات الصحة والتعليم والأمن، ويستمر الأمر بالمُضي نحو الأسوأ.

قال ترامب، ويوافق معه الكثيرون، مثل كيسنغر وتشوماسكي وكثير من جهابذة السياسة والاقتصاد، إن نموذج السوق الحر لم يعد مفيدًا لأمريكا، بينما العولمة لم تعد عولمة ثقافية واقتصادية وسياسية متجهة من أمريكا إلى العالم، بل أصبحت الطريق الذي مهدته أمريكا للصين لتغزو الأرض بصادراتها ومشاريعها التي تطمح من خلالها تغيير شكل هذا العالم للأبد!

في عهد أوباما صدر تقرير (اتجاهات العالم حتى العام 2030 ) بواسطة مؤسسة “فاكت بوك” التابعة للسي آي أيه في العام 2011، توقع التقرير أن أمريكا ستفقد هيمنتها على العالم، وأن الصين ستتفوق على أمريكا اقتصاديًّا، وأنها بدأت بالفعل بسياسة تطوير قدراتها العسكرية التي ستقودها للهيمنة المطلقة على الشرق ثم التمدد أكثر نحو العالم!

تحدث التقرير بشكل موسع عن العالم وآثار تلك التغيرات على جميع الدول، وأكّد على ضرورة تحرك أمريكا نحو الشرق كسياسية محورية ومضاعفة وجودها العسكري هناك، والحد من قدرة الصين على الهيمنة في بحر الصين الجنوبي.

نصح التقرير صانعي القرار بضرورة إنهاء التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط، والتركيز بشكل مكثّف على التهديد القادم من الشرق، وتوقع بالضرورة أنّ هذا الأمر سيتطلب تمهيدات واسعة للمشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط؛ لأن انسحابًا مفاجئًا سيتسبب بفراغ مفاجئ سيؤدي إلى صراعات وتنافس بين القوى الإقليمية والأوروبية على ملء ذلك الفراغ.

لكن بانتهاء فترة حكم أوباما، كان الرجل قد انتهج سياسة الفوضى الخلاقة، ودعم التمرد وانهيار النظم الهشة في المنطقة تمهيدًا لتقسيمها بين إيران وتركيا، لم يؤدِّ الأمر للانسحاب من المنطقة، بل أدخلها في فوضى خطيرة ومتصاعدة، وأصبحت منطقة حروب بالوكالة بين القوى الإقليمية الكبرى، بينما استمرت أمريكا بالتدخل في إسقاط الأنظمة وتحويل الثورات السلمية إلى العنف، وانتهى الأمر بظهور داعش وإعلان تحالف دولي واسع لمكافحتها، وقّع أوباما أيضًا اتفاقًا نوويًّا سريعًا مع إيران بعيدًا عن علاقة ذلك الاتفاق بوضع الدول العربية التي تركت مكشوفة أمامها وأمام منافستها على تقاسم المنطقة (تركيا).

بالمقابل، أسّس ترامب منهجية سريعة ومفاجئة، حيث انسحب من الاتفاق النووي، وقال إن دول المنطقة يجب أن تبدأ بحماية نفسها عن طريق إنشاء تحالف عسكري شبيه بالناتو يشمل إسرائيل، مهمته الأساسية التصدي لإيران والقضاء على النفوذ التركي الذي تشكل في السنوات السابقة، وانتهى الأمر بالدفع نحو حصار قطر التي لعبت دورًا محوريًّا في دعم الثورات ومثلت الطريق اللوجستي لتمدد المشروع التركي.

أيّد ترامب أيضًا أنظمة المنطقة بعيدًا عن النظر لوضعها الديمقراطي والحقوقي، وركّز بشكل أكثر على دعم قادة أقوياء قادرين على السيطرة بشكل قوي على بلدانهم، سمح لروسيا، بل شجّعها على التدخل بشكل واسع في سوريا لدعم النظام وعدم السماح لإيران بالسيطرة منفردة على النظام أو سقوط الدولة بيد “داعش”، وتحولها لساحة حرب كاملة بدون أي قدرات لطرف قادر على السيطرة على الأرض وإيقاف الانهيار.

ربط الحرب في اليمن بالتسوية الشاملة التي يجب على إيران أن تقبل بها للعودة للاتفاق النووي وزاد من مستوى العقوبات عليها بشكل غير مسبوق، كان ترامب يرغب أيضًا بتقسيم النفوذ في المنطقة للقوى الإقليمية، ولكن باتفاق مكتوب وشامل، ويتضمن حماية إسرائيل ضمن التحالف الذي أشرنا إليه مسبقًا.

لم يرغب أيضًا ترامب، كما كان الحال مع أوباما، بدور أكبر للاتحاد الأوروبي، ولكنه خلافًا له أيّد دورًا واسعًا لروسيا، تتمثل وجهة نظر ترامب بشان روسيا أنها لم تعد تشكل تهديدًا كبيرًا على أمريكا، وأنه يجب الدفع بها نحو دور أكبر في العالم، وإبعادها بأكبر قدر ممكن عن الصين، حيث تحالف روسي صيني لا يخدم مساعي أمريكا لتطويق الأخيرة، كانت أهم الخطوات التي قام بها ترامب هي إيقاف المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا، والدفع بالأوروبيين نحو تمويل ميزانية حلف الناتو بشكل أوسع والمساهمة فيه بما يضمن تخفيف مساهمة أمريكا في هذا الحلف، كل هذا يحدث من أجل المواجهة مع الصين.

استخدم ترامب مستوى متصاعدًا جدًّا من العقوبات الاقتصادية والتصعيد السياسي والعسكري ضد الصين مع البدء باستراتيجية تهدف لتقليص العجز في الميزان التجاري معها ومع الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التحالف مع بريطانيا التي تزامن خروجها من الاتحاد الأوروبي بصعوده للسلطة، حيث يجب أن تلعب هي والدول التابعة للتاج البريطاني دورًا أكبر في المواجهة مع الصين بعيدًا عن دول الاتحاد الأوروبي التي تربطها علاقات متنامية مع الصين، والتي أكّدت مرارًا أنها ستلعب دورًا محايدًا دائمًا فيما يتعلق بالصراع الأمريكي الصيني.

ومع بدء ظهور جائحة كورونا، بدأت آمال ترامب بالتراجع حيث انهار الاقتصاد الذي ركز عليه طوال سنواته الثلاث، فشلت أمريكا في الاستجابة السريعة للوباء بسبب العلاقات السيئة مع الصين. هاجم ترامب أيضًا الأمم المتحدة وهيئاتها وتعهد بتقليص ميزانيتها الممولة من أمريكا؛ لأنها لا تستجيب بشكل كافٍ للتماشي مع الدور الأمريكي الجديد.

دفع الديمقراطيون جو بايدن النائب السابق للرئيس أوباما، لمواجهة ترامب، تنافس بايدن مع 12 مرشحًا آخر في الانتخابات الحزبية التي امتلأت بمزيج من الكهول والشخصيات غير القادرة على إحداث تأثير كبير، ظهرت أمريكا أنها دولة لم تعد قادرة على إنتاج جيل جديد من القادة، وأن مؤسساتها الحزبية تخاف بشكل كبير من صعود أي شخص غير متوقع لهذا المكان الذي يمكن من خلاله تعقيد المشهد الدولي بشكل أكبر.

ما بين الالتزامات والتنازلات

بايدن اتخذ مواقف متطرفة ومعادية، كما هو الحال لمعظم الديمقراطيين ضد ترامب أثناء حكمه، ووصل الأمر لاتهامه بالخيانة والعمالة ومحاولة عزله 3 مرات خلال دورته الرئاسية الأولى، بالمقابل تفاخر ترامب بعلاقته الجيدة مع بوتين، وأعلن عداءه بشكل معلن ضد الدول التي دعمها أوباما، مثل قطر وأوكرانيا وإيران وغيرها، وانسحب من اتفاقات عسكرية واقتصادية كبرى، وأحدث تغييرات كان يعرف أنه إذا لم ينجح بدورة جديدة، فإنها ستضعف من الدور الأمريكي كثيرًا في العالم.

وبمجرد صعود بايدن، توقفت العقوبات على الصين وتحولت ضد روسيا، وازداد الدعم العسكري لأوكرانيا بشكل كبير وزادت التعهدات بضمها للناتو، وهو الأمر الذي حذرت روسيا كثيرًا من أنه يهددها بشكل وجودي، ورفع الحصار عن قطر، بل وأعلن أنها ضمن الدول الحليفة للناتو من خارج منطقته، وانسحب من أفغانستان بشكل سريع ومفاجئ، وذهب لأستراليا ليوقع اتفاقًا عسكريًّا جديدًا يشمل إلغاء الصفقات السابقة مع فرنسا في مجال الغواصات النووية، وأعاد نشر القوات الأمريكية في الاتحاد الأوروبي بصورة غير مسبوقة، وبدأ بالتفاوض مع إيران مباشرة لعودة الاتفاق النووي دون أي التزامات جديدة بل مع الاستعداد لتقديم تنازلات أكبر.

هذا التناقض الصارخ الذي يتمثل في العداء لدول من قبل رئيس لتصبح حليفًا رئيسيًّا تجاه الآخر، الانسحاب من اتفاقيات وبدء أخرى، والتدخل عسكريًّا والانسحاب، ومعاداة الحلفاء مقابل المطالبة بتعزيز قدراتهم الذاتية وإلغاء الصفقات العسكرية، كل هذا يثبت أننا أمام أمريكا منقسمة بشدة في الداخل، وأن هذا الانقسام لم يعد خفيًّا، وأن حزبيها يتعاملان الآن كخصمين ينقسم خلفهما الشعب الأمريكي تجاه كل شيء.

يعني هذا أن حروبًا في العالم قد تنشأ للهروب من أزمات الداخل، سياسات مالية محورية ستطبق مثل حزم الإنقاذ ومشاريع البنى التحتية الممولة بالطباعة لمعالجة الهيكلية التي اتبعها الرئيس السابق، وأن سقف هذا الصراع مفتوح! في تأثيراته على الدول في العالم وعلى اقتصاد أمريكا ونفوذها، يعني أيضًا أنّ الإعلام الأمريكي “الحر” هو انحياز مطلق للِّبراليين، بل إن الأمر يفوق ذلك إلى منصات التواصل الاجتماعي، وأنه يمكن لأشد خصوم أمريكا في العالم أن يمتلكوا حسابات في المنصات الاجتماعية وتغطية إعلامية من المؤسسات الإعلامية، ولكن لا يمكن لخصومهم في الداخل أن يحصلوا على أي تغطية ممكنة، يعني أن قناة فوكس نيوز اليمينية والمؤيدة للحزب الجمهوري ستبث خطابًا مؤيدًا لروسيا في حربها على أوكرانيا أكثر من خطاب القنوات الروسية نفسها.

فقدت المؤسسة العميقة والجيش، قدرتها على القرار في عصر ترامب، بالمقابل هي الآن تحكم بشكل شبه كامل في ظل وجود رئيس لا يستطيع أن يكمل الكثير من الجمل في خطاباته.

بينما يحدث كل ذلك في أمريكا، لا يختلف الأمر كثيرًا في أوروبا التي تتأثر بكل ما يحدث في أمريكا، حيث لا تمتلك الاستقلالية العسكرية والأمنية والسياسية، بل والاقتصادية، لاتخاذ القرارات المرتبطة بمصالحها الذاتية. بينما يحدث كل هذا، ينتظر خصوم أمريكا في بكين وموسكو وطهران صعود رئيس ديمقراطي للهجوم واتخاذ سياسات عسكرية واقتصادية متقدمة، ثم يتعاملون مع قدوم رئيسٍ جمهوري لأخذ استراحة محارب والاستعداد للخطوة القادمة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى