أقلام رصاص

المجلس الرئاسي اليمني والحرب الأهلية اليمنية 1994 بقلم| حسن زيد بن عقيل

بقلم| حسن زيد بن عقيل

بعد أن تأكد التحالف أن شرعية هادي ــ الأحمر أصبحت عبئًا على الرياض . بدأ التحالف السعودي الإماراتي بالتخلي عنها وعهد برعايته إلى ما يسمى بالمجلس الرئاسي اليمني بقيادة رشاد العليمي. وهو مقرّب من حزب الرئيس صالح ، الذي احتل الجنوب عام 1994 ، وهو أيضاً حليف للسعودية. هدف التحالف من تشكيل “المجلس الرئاسي اليمني” إحتواء دور الجنوبيين بدأً من المجلس الانتقالي الجنوبي والحراك الجنوبي و قوات العمالقة الجنوبية ، و إحتواء كل التيارات الداعية إلى الاستقلال أو الحكم الذاتي للجنوبيين والتخلي عن إنجازات المجلس الانتقالي الجنوبي والحراك الجنوبي وقوات العملاقة الجنوبية ، وإن كانت هشة و باهتة ، فضلاً عن تقويض اليمن وتفتيته. هذا لا ينفصل أيضاً عن أهداف ورغبة النخبة الشمالية الفاسدة التي حكمت في عهد صالح من 1994 إلى 2011 بالعودة إلى السلطة. دعونا لا ننسى أن رشاد العليمي هو حليف لحزب الاصلاح اليمني وللقوى الإسلامية المتطرفة التي كانت تحت رعاية الرئيس صالح. الدكتور العليمي أكثر فهماً لتلك القوى المتطرفة بفضل المناصب التي شغلها في عهد الرئيس صالح . شغل منصب مدير الأمن لمحافظة تعز عام 1996 ، ووزير الداخلية عام 2001 ، ورئيس اللجنة الأمنية العليا 2006 ، ونائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن ، ووزير الإدارة المحلية عام 2008 و مستشار الرئيس هادي من 2014 حتى تعيينه كرئيس للمجلس الرئاسي . من خلال السجل المهني للدكتور العليمي نستطيع ان نؤكد بأنه زعيم النخبة الفاسدة في الشمال ، مدعوم من حلفائه الإقليميين والدوليين السابقين.

بتشكيل المجلس الرئاسي الجديد ، تبدو الرياض عاجزة عن الخروج من المستنقع اليمني. ستواجه السعودية نفس العقبات التي واجهتها مع شرعية هادي السابقة. وعلى وجه الخصوص الابتزاز المالي والفساد والفوضى والفشل في تحقيق أي هدف للسعودية. إن قادة الدول الغربية و دول مجلس التعاون الخليجي يعرفون جيداً أن المشكلة الكبرى في اليمن هي “القيادة”.

لقد كانت دائمًا فاسدة وقصيرة النظر . و كذا سوء الإدارة و إساءة استخدام السلطة متجذر بعمق في الاقتصاد السياسي اليمني. ان الفساد الإداري والمحسوبية شائعان في الحياة اليومية وثقافة النخبة الشمالية من عهد الاستعمار العثماني (الإدارة الفاسدة) مروراً بالادارة المصرية وهي الاخرى فاسدة حتى عهد الدكتور رشاد العليمي . الفساد في الإدارة الشمالية ينتقل بالوراثة من جيل إلى جيل ، حتى طوره الرئيس صالح وحدّثه وربطه باستراتيجية أمريكا والسعودية. قبل أن تغرق السعودية أعمق وأعمق في وحل اليمن عليها أن تدرس التجربة الأمريكية في اليمن . الجنرال ديفيد بتريوس القائد السابق للقيادة المركزية للولايات المتحدة يعلم أن الرئيس صالح والعليمي غير أمناء في تعاملاتهما ، بحسب شهادة هاني مجاهد أمام قناة الجزيرة وهو “عميل مزدوج عضو في القاعدة ومخبر لحكومة صالح”. يقول هاني مجاهد إن صالح كان يتلاعب بالولايات المتحدة في ذلك الوقت ، حينها كان العليمي وزير داخليته . وقال جريجوري جونسون ، الخبير الأمريكي في شؤون الحركات الإرهابية ، لشبكة إن بي سي نيوز: إن الرئيس صالح وإدارته مرتبطان بالإرهاب ، وجيفري فيلتمان ، مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ، يؤكد ذلك.

انصار الله ، لن يخسروا شيئاً مع رشاد العليمي رئيس المجلس الرئاسي ، لا في مفاوضات الحل السياسي ، ولا في استمرار القتال ، بالعكس سيكسبون المزيد. الحوثيون أذكياء بما فيه الكفاية ، وكذلك رشاد العليمي ، وكلاهما مهتم بالمفاوضات ، ولكل منهما رؤية واضحة للحصول على تنازلات لضمان مشاركته في العملية السياسية. رحب كلاهما باقتراح مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن ، هانز جروندبرج ، بوقف إطلاق النار في شهر رمضان ، مما يتيح لهما إعادة ترتيب وضعهما على الأرض ، وأعربا عن استعدادهما لإجراء محادثات مع دول مجلس التعاون الخليجي ، لكن رفض أنصار الله المشاركة في محادثات الرياض ، ليس رفض المحادثات بذاتها بل رفض للدولة المضيفة للمحادثات ، السعودية.

الخاسرون من تشكيل «مجلس الرئاسة اليمني» هم المجلس الانتقالي الجنوبي والحراك الجنوبي وقوات العمالقة الجنوبية وكل من يسعى للاستقلال أو الحكم الذاتي أو الحكومة الفدرالية للجنوب . يعتبر المجلس الرئاسي موت سريري لكل القوى السياسية في الجنوب. وتتمثل مهمته في احتواء القادة السياسيين في الجنوب عن طريق الترهيب أو الترغيب . هذا يذكرنا بقول الحجاج بن يوسف الثقفي: “أرى رؤوس قد أينعت وحان وقت قطافها “. هذا هو الدور المنوط بالرئيس العليمي ، إما إسكات أو قطف رأس زعماء الجنوب الذين طالبوا باستقلال الجنوب. وتحقيق أهداف حرب صيف 1994 بإعطاء النخبة الفاسدة فرصة أخرى لاحتكار موارد النفط والغاز والسيطرة على موانئ الجنوب وجميع خيرات الجنوب من خلال تهميش سكان الجنوب وعدم الالتفات إلى الجنوبيين من الحضارم و غيرهم في الشتات.

الشتات الجنوبي [25 مليون جنوبي في شرق آسيا و 6 ملايين جنوبي في شرق إفريقيا ، بالإضافة إلى أولئك الموجودين في دول الخليج] هم تجار ورجال أعمال وعمال وفنيون ذوو خبرة أثبتوا جدارتهم في المهجر وقادرون على نقل مهاراتهم الى الوطن. نعلم أن عدم قدرة الحكومات السابقة في اليمن في تنفيذ أي من برامجها التنموية ( من 1962 في صنعاء و من 1967 في عدن ) ، مثل الخطة الخمسية وغيرها من الإصلاحات الاقتصادية . يعود ذلك إلى نقص الكوادر الماهرة في المؤسسات الحكومية ، الذي أثر سلباً على تخطيط وتنفيذ المهام الحكومية. الجنوبيون في الشتات كوادر مهنية ومؤهلة ستمكن الدولة من تنفيذ خطط الحكومة .

من المرجح أن تنحية الرئيس هادي وتشكيل المجلس الرئاسي كانا نتيجة حتمية للتغييرات في ديناميات الصراع : التحالف كان على وشك الانهيار، نتيجة لذلك ، اعتبرت قوات التحالف شرعية هادي ضارة وعقبة أمام تحقيق الحد الأدنى من المكاسب. لذلك وافق التحالف على شروط الحوثيين لوقف إطلاق النار برفع جميع القيود المفروضة على ميناء الحديدة ومطار صنعاء . لان انتصار الحوثيين على التحالف على الارض ، يعني أنهم اصبحوا قريبون من الصحراء المحاذية للمملكة العربية السعودية. أي يشرفون على الأراضي المجاورة للمملكة ، بدأ من معقل الحوثي في صعدة إلى المهرة ، وإذا استولوا الحوثيون على هذه الصحراء ، فسيكون لديهم فرصة واسعة النطاق لضرب أي هدف محتمل يهدد أمنهم في عمق السعودي عبر الحدود.
لقد غيرت المواجهة الروسية ـ الأطلسية مواقف كثيرة ، إقليمياً و دولياً ، وكذلك على المستوى المحلي: كلا الجانبين اليمني والسعودي يتألمان من الحرب ولكل منهما همومه و اوجاعه الخاصة. لذلك كانت تنحية الرئيس هادي ضرورية في كل الأحوال. وكان الطرفان بحاجة إلى هدنة و الاستفادة من توقف الحرب مؤقتًا على الأقل. نحن نعلم أن الرياض تريد حلاً تفاوضيًا للحرب يحفظ لها ماء الوجه ، فهي تتعرض لضغوط من الولايات المتحدة لإيجاد طريقة لإنهاء الصراع . لن يكون الحل ممكناً بوجود هادي على رأس الشرعية من حيث المبدأ. كان من الضروري تشكيل مكون سياسي جديد يمكن اعتماد الحوثيين عليه كشريك تفاوضي . لأنصار الله الحق في الاستهزاء بالمجلس الرئاسي الحالي ، و الاصرار على التفاوض مع السعوديين. العديد من أعضاء المجلس الرئاسي قتلة شاركوا في تدمير الشعب اليمني في حرب صيف 1994 وقمع انتفاضة 2007 وقمع ثورة الشباب 2011 ، وشاركوا في الحروب السته ضد الحوثيين في صعدة .

مرة أخرى ، يخطئ التحالف السعودي في تقييم الوضع السياسي والأمني في اليمن. في عام 2012 تم تعيين النخبة الفاسدة في صنعاء زمرة الرئيس صالح و ترشيح نائبه عبد ربه منصور هادي بدلا عنه . والآن عام 2022 يكرر التحالف الخطأ باعادة تلك النخبة الفاسدة لكن بقيادة رشاد العليمي ، وكأنَّنا يا زيدُ لا رُحنا ولا جينا . ثانيًا ، أي هدنة نتحدث عنها ، الآن ما يحدث هو تجميد العمليات العسكرية بمراقبة ذاتية ، وما يسمى مجلس الرئاسة ، هو في الواقع غرفة عمليات عسكرية ، تجميع قادة الفصائل العسكرية البارزة المعادية لأنصار الله. فأين النوايا الحسنة؟ و أي سلام يريد التحالف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى