أقلام رصاص

اليمن: فرصة ذهبية لكسر الحصار بقلم| علي ظافر

بقلم| علي ظافر

مع انشغال العالم بالأزمة الغربية – الروسية في أوكرانيا وما ترتَّب عليها من تداعيات، أبرزها اشتعال حرب الطاقة والاهتزازات الجيوسياسية في أسواق النفط وتذبذب أسعاره، سجّلت صنعاء عملية عسكرية مهمة في أهم الدول المصدّرة للنفط، رداً على استمرار الحصار النفطي الَّذي تفرضه تحالف العدوان، ولفتاً لنظر المجتمع الدولي إلى حرب مفتوحة توشك على دخول عامها الثامن، وتكاد تصبح منسيّة.

مؤخّراً، أعلنت القوات المسلّحة اليمنية قصف عدد من منشآت “أرامكو”، عصب الاقتصادي السعودي، بـ9 طائرات مسيّرة خلال عملية “كسر الحصار الأولى”، تركّزت على مصفاة “أرامكو” في الرياض ومنشآت “أرامكو” في جيزان وأبها، “في سياق الردّ على استمرار الحصار واستمرار منع وصول المشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة”، بحسب القوات المسلَّحة، وفي ترجمة سريعة للتهديد الذي رفعه اليمنيون في تظاهراتهم يوم الخميس الفائت.

توقيت محلّي ضاغط
جاءت العمليّة في ذروة تفاقم أسوأ أزمة وقود عرفتها اليمن خلال السنوات الماضية، واختناق وسائل النقل العام واصطفافها في طوابير طويلة قد تصل إلى 3 كلم أمام محطات فارغة، وفي ظلّ قطاعات حيوية وصحية مهددة بالتوقف والشلل، وما ترتب على ذلك من غلاء في المعيشة وانهيار اقتصادي كارثي. لذلك، كان لا بدَّ في المقابل من إجراء عمل عسكري، رداً على ربابنة العدوان والحصار، وانطلاقاً من أنّ الجزاء يكون من جنس العمل.

ولا يمكن أن نغفل هنا أنّ العملية جاءت بمثابة استجابة سريعة لمطالب ملايين اليمنيين الَّذين خرجوا الخميس الماضي في قرابة 15 مدينة، ورفعوا شعار “الإعصار في مقابل الحصار”. وهنا، تؤكّد القوات المسلَّحة أنَّ الحصار عمل عسكري يُقابَل بعمل عسكري مضاد، وأنَّها لن تترك الشعب يعاني من دون ردّ.

وتوحي تسمية العملية “كسر الحصار الأولى” بأنها لن تكون الأخيرة ضمن معادلة “استمرار قصف المنشآت النفطية مقابل استمرار الحصار ومنع الواردات النفطية”، وربما تعقبها سلسلة من العمليات المؤلمة والمؤثرة، على غرار عملية بقيق وخريص في العام 2019 التي عطلت نصف إنتاج السعودية من النفط. وتأتي هذه العملية في توقيتها بمثابة لفت نظر للمجتمع الدولي إلى أزمة إنسانية عميقة وحرب مفتوحة ومنسية في لحظة انشغال العالم بتطورات الحدث الأوكراني.

توقيت دوليّ حسّاس
لقد جاءت “عملية كسر الحصار الأولى” بمثابة رسالة تحذيرية للرياض عن القادم الأسوأ، في ظلِّ توقيت دولي حساس جداً قد لا يخدم السّعودية كدولة مصدّرة للنفط، مع اشتعال حرب الطاقة على خلفية الأزمة الأوكرانية، وما ترتّب عليها من هزات جيوسياسية في سوق النفط العالمية. بمعنى آخر، ما دام تحالف العدوان مستمراً بحصار الشعب اليمني وخنقه اقتصادياً ومعيشياً، فإنَّه سيبقى تحت التهديد اليمني.

وقد جاءت العملية أيضاً بعد تسريبات نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مطالب السعودية والإمارات برفع وتيرة الدعم العسكري الأميركي للعدوان على اليمن مقابل رفع صادرات النفط في السوق العالمية، بعد أن فرضت الأخيرة حظراً على واردت النفط الروسي.

وبالتالي، أرادت القوات المسلّحة أن توصل رسالة بأن السعودية لا تستطيع عقد صفقات أميركية خليجية على حساب معاناة الشعب اليمني واستمرار العدوان والحصار إلى مالانهاية، لتكريس معادلة مفادها “استمرار استهداف منشآت النفط، رداً على استمرار منع واردات النفط إلى اليمن”.

فرصة ذهبية وأخرى مهددة
يتّفق خبراء النفط والاقتصاد على أنَّ الدول المنتجة للنفط تستفيد من ارتفاع أسعاره في الظروف الطبيعية لسد العجز في ميزانياتها والإنفاق على الاستثمارات فيها. وفي هذا السّياق، تعاني السعودية عجزاً خلال السنوات الماضية بفعل النفقات العسكرية الكبيرة في العدوان على اليمن وغياب السياسات الرشيدة، وبالتالي قد ترى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يعدّ فرصة لسد العجز وتمويل مشاريع محمد بن سلمان الخيالية، وهي بطبيعة الحال تحتاج إلى سعر يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل لتغطية ميزانيتها، وبالتالي فإنها مستفيدة من الارتفاع، لكن اعتمادها على الاستيراد باعتبارها دولة استهلاكية قد يقضي على هذه الفائدة المؤقتة.

كما أنّ استمرار العمليات العسكرية اليمنيّة باتجاه المنشآت النفطية السعودية يجعلها عرضة للضرر والتهديد، وبالتالي إنّ استمرار هذه التهديدات الأمنية قد يحرم السعودية من هذه الفرصة ويجبرها ويجبر حلفاءها على إعادة النظر في الحصار النفطي والحصار الشامل على اليمن.

هذا الأمر، بالمعنى الاستراتيجي، يعني أنَّ اليمن بات لاعباً يمكنه التأثير في أسواق النفط وأسعارها. وقد لا تقتصر العمليات على منابع النفط، بل قد تمتد إلى استهداف صادرات النفط التي تمرّ عبر البحر الأحمر، كواحد من الخيارات المستقبلية، وبالتالي من يهمه أمن الطاقة عليه أن يفكّر ملياً في حق اليمنيين في تأمين الطاقة، وتأمين كلّ حاجياتهم منها، والحصول على كلّ حقوقهم وعدم المساس بسيادتهم وعدم العدوان عليهم. وما لم يحصل ذلك، فإن الحرب ستبقى سجالاً، والمفاجآت ستبقى مستمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى