أقلام رصاص

عقوبات الغرب تتجاوز أوكرانيا بقلم| سميح صعب

بقلم| سميح صعب

عنصران إثنان يعتمد عليهما الغرب في الدفاع عن نظامه العالمي الذي أرساه مع سقوط جدار برلين: الأول، فرض حصار إقتصادي ومالي لا سابق له حول روسيا وعزلها عن بقية العالم، والثاني، دعم أوكرانيا بالسلاح النوعي من دون التورط مباشرة بالحرب، حتى لا يضطر إلى إرسال قوات برية ونشوب مواجهة تفضي إلى “حروب لا تنتهي ” أو إلى حرب عالمية ثالثة.

يعمل الغرب بوصية زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد جيمي كارتر، التي أوردها في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى”، إذ كتب: “من دون أوكرانيا كما لاحظنا سابقاً، فإن إستعادة السيطرة الإمبراطورية على أساس رابطة الدول المستقلة أو على أساس المذهب الأوراسي لم تكن خياراً قابلاً للحياة. فأي إمبراطورية دون أوكرانيا سوف تعني فعلاً أن روسيا ستصير أكثر “أسينة” (ذات طابع آسيوي) وأكثر بعداً عن أوروبا”. ويصف الصحافي الأميركي توماس فريدمان العقوبات الغربية بأنها “قنبلة إقتصادية نووية” أُطلقت على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وانه لم يرَ حتى سوى “نصف العبء بعد”، معتبراً أن الحرب تثبت أن “محو روسيا الأم يجري على قدم وساق”. وتقول مساعدة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند، التي تعتبر مهندسة السياسية الأميركية حيال الكرملين في السنوات الأخيرة، إن العقوبات الشاملة التي فرضها الغرب وحلفاؤه، فضلاً عن دعم الجيش الأوكراني بالسلاح بغية إطالة أمد الحرب قدر المستطاع، يجب أن ينتهيا إلى “هزيمة إستراتيجية” لروسيا. الوصول إلى هذه المرحلة، يتطلب من أميركا تعبئة وحشد كل الإمكانات من أجل أن لا يخرج بوتين سالماً من الحرب. السلاح الجيوسياسي الأمضى سيكون بإستغناء أوروبا عن النفط والغاز الروسيين. على رغم أن هذه خطوة مؤلمة بالطبع لألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، لكن الرئيس الأميركي جو بايدن يقول للأوروبيين مثلما يقول للأميركيين، إن هذا هو “ثمن الدفاع عن الحرية” وأن العالم سيدفع ثمناً أكثر فداحة لو إستسلم لبوتين.

ويبدو أن دول الخليج العربية لم تلبِ الرغبة الأميركية بزيادة الإنتاج وأكدت تمسكها بالإتفاق المبرم بين منظمة “أوبيك” وروسيا في إطار “اوبيك بلاس”. لذلك ذهب وفد أميركي إلى كراكاس لمحاورة نيكولاس مادورو الذي كان رئيساً “غير شرعي” قبل 24 شباط/ فبراير، حاملاً وعداً برفع العقوبات عنه إن هو ضخ نفطه في إتجاه أميركا وأوروبا. وفد أميركي آخر برئاسة المساعدة الأخرى لوزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان زار الجزائر كي يقنع الرئيس عبد المجيد تبون بفك تحالفه مع موسكو وزيادة ضخ الغاز الجزائري إلى القارة الأوروبية عبر خط الأنابيب الذي يمر عبر المغرب. ووزارة الخارجية الأميركية طلبت مباشرة من الفصائل المسلحة في ليبيا أن تكف عن التقاتل لإقتسام الأرباح، وأن تسمح بتصدير الغاز الليبي إلى أوروبا. ولا حاجة إلى ذكر أذربيجان التي تسيطر الشركات الأميركية هي على نفطها. وهنا يمكن فهم أسباب الإنتفاضة أوائل العام على الرئيس الكازاخي قاسم جوهر توكاييف ومسارعة بوتين إلى إخمادها. وتستعجل الولايات المتحدة التوصل إلى إتفاق في فيينا لإحياء الإتفاق النووي مع إيران، وتالياً السماح بوصول النفط الإيراني مجدداً إلى الموانىء الأوروبية. وتنبهت موسكو لمصالحها التجارية مع إيران، فطلبت ضمانات خطية من الولايات المتحدة بعدم عرقلة العلاقات الإقتصادية بين موسكو وطهران. الطلب الروسي ورقة ضغط على أميركا على طاولة فيينا تهدد بنسف التوصل إلى إتفاق نووي، إذا لم تراع مصالح موسكو، التي هي ضامن أساسي في الإتفاق. من دون روسيا لا إتفاق. أضف إلى ذلك، التطورات الإيجابية المتسارعة على مسار ترميم العلاقات التركية-الإسرائيلية التي توجت بزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ لأنقرة في وقت سابق من الأسبوع، بينما يستعجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التوصل إلى إتفاق لمد خط أنابيب في البحر المتوسط لضخ الغاز الإسرائيلي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. وهي خطوة تحظى بمباركة أميركية لأنها ستساهم في الإعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. ولتوسيع الإنتاج الإسرائيلي من الغاز، تضغط الولايات المتحدة على لبنان كي يقبل بمقترحات عاموس هوكشتاين لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل. وبعيداً عن ضغوط النفط والغاز، كانت واشنطن هي من طرح فكرة تزويد أوكرانيا بمقاتلات “ميغ -29” سوفياتية الصنع. لكنها تراجعت عن الفكرة بعدما وجدت صعوبات في إيصال هذه المقاتلات إلى المطارات الأوكرانية، وبعدما أحرج الإعلان البولندي عن الإستعداد لوضع هذه المقاتلات الموروثة من حلف وارسو المنحل في تصرف الجيش الأميركي كي ينقلها إلى قاعدة رامشتاين الأميركية في ألمانيا. كما إشترطت وارسو أن تحصل مقابل “التضحية” بهذه الطائرات على مقاتلات أميركية من طراز “إف-16″، لكن أميركا أجابت بأنها غير قادرة على تلبية الطلب البولندي في هذا الشأن لأن ما يتوافر من مقاتلات “إف-16” موصى عليه من تايوان.

فضلاً عن الشركات الغربية التي تنسحب واحدة تلو الأخرى من السوق الروسية، لم تتأخر شركات التواصل الإجتماعي عن الإنخراط في المعركة ضد روسيا، فعدا عن مقاطعتها لكل محتوى روسي، سمحت شركة ميتا المالكة لفايسبوك وإنستغرام بنشر محتوى تحريضي ضد الجنود والقادة الروس، وهذه سابقة من نوعها.

ولاحظ رئيس تحرير صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية كونستانتين ريمتشكوف في مقابلة مع مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية أن روسيا تواجه عزلة غير مسبوقة في تاريخها، وقال:”إننا منقطعون عن الغرب بالكامل. في العهد السوفياتي كانت هناك قطارات تمضي إلى برلين وباريس. في الوقت الحاضر ليس ثمة رحلة تجارية. إبان زمن الستار الحديدي، كانت تأتينا واردات. وكان في إمكاننا السفر إلى باريس أو نيويورك. اليوم يبدو أن ذلك قد إنتهى”. وأشارت صحيفة “الفايننشال تايمز” إلى الحرب “الهجينة” التي يشنّها الغرب. وتحدثت عن “إدخال وسائل غير تقليدية جديدة في الرد على الهجوم الروسي، بعدما كانت روسيا قد تغلبت على الغرب معظم الوقت خلال العقد الأخير مع توسيع الميدان ليشمل هجمات سيبرانية، وتضليلاً إعلامياً”. وفي نظر المؤرخ الأميركي فرانسيس فوكوياما فإن بوتين بحربه على اوكرانيا، إنما يشن حرباً على النظام العالمي. وكتب في “الفايننشال تايمز، أن “آلام الليبرالية لن تنتهي حتى ولو هزم بوتين. فالصين ستكون في الإنتظار وكذلك إيران وفنزويلا وكوبا والشعبويون في البلدان الغربية. لكن العالم سيكون قد تعلم ما هي قيمة النظام العالمي الحر، وأنه لن يستمر إلا إذا كافح الناس من أجله وأظهروا الدعم المتبادل. إن الأوكرانيين، أكثر من أي شعب آخر، قد أظهروا ما هي الشجاعة الحقيقية، وأن روح 1989 لا تزال حية في هذه الزاوية من العالم. وبالنسبة للبقية منا، فإننا كنا نغط في سبات وقد تم إيقاظنا منه”. هذه الشمولية للرد الغربي الذي اعتبره بوتين بمثابة “إعلان حرب”، يخدم التوجه نحو “الهزيمة الإستراتيجية” لروسيا وشطبها من قائمة الدول ذات التأثير الإقليمي أو الدولي أو العودة إلى ما قبل سقوط جدار برلين، وهي أبعد بكثير عن الدفاع عن أوكرانيا، إنها تتعلق بكي الوعي الروسي بحيث لا يعود أي زعيم بعد بوتين يفكر بـ”إستعادة الإمبراطورية”، بل سيذهب الروس إلى البحث عن بوريس يلتسين آخر. ويجمع الخبراء على أن روسيا تدفع اليوم ثمن التداخل الإقتصادي الذي أقامته مع الغرب في العقود الماضية. ويطرح الآن تساؤلان جوهريان، أولهما حول قدرة روسيا على التكيف مع موجات العقوبات التي تنهمر عليها، وثانيهما عما إذا كانت روسيا لم تضع في حساباتها قبل تحريك دباباتها أن العقوبات ستكون بهذا الحجم الذي تتعرض له اليوم؟ ولا يزال من المبكر الإجابة على هذين التساؤلين. بيد أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يبالغ، عندما قال بعد إجتماعه بنظيره الأوكراني ديميترو كوليبا في أنطاليا التركية، إن روسيا تخوض معركة “حياة أو موت”. ويأمل الغرب من طريق العقوبات الخانقة على روسيا بعث رسالة لا لبس فيها إلى الصين، كي تعرف ما سينتظرها في حال أقدمت على ضم جزيرة تايوان، أو على الأقل كي لا تهرع إلى إنقاذ الإقتصاد الروسي أو كي تضغط على موسكو لوقف الحرب في أوكرانيا، والكف عن تحدي النظام الدولي القائم. لكن عزل ثاني إقتصاد عالمي لن يكون بتلك السهولة التي يمضي فيها خنق روسيا التي لا تتجاوز مساهمتها في إجمالي الإقتصاد العالمي 2 في المئة. ومع ذلك، يجب التريث في الحكم على إنهيار روسيا منذ الآن، فهذه البلاد مرت بأزمنة أصعب عندما طرق نابليون باب الكرملين في القرن التاسع عشر، ووقف هتلر على مداخل موسكو في القرن الماضي. لذا يجب التريث في إطلاق الأحكام منذ الآن، ومعظم القديسين في روسيا هم جنرالات سقطوا في الحروب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى