أقلام رصاص

من يراقب الرقابة؟ بقلم| وجدي الأهدل

بقلم| وجدي الأهدل

الرقابة فى الدول العربية غبية جداً، هم يراقبون المطبوعات ويمنعون الكتب التى يرونها تتجاوز الخطوط الحمراء، ولكن بشأن الإستراتيجيات الدولية المتعلقة بمصير الأمة العربية بكاملها فإن الرقابة لا تفهم شيئاً حول هذا الموضوع، إنه أكبر من حجمها بملايين المرات، فالرقابة العربية يمكنها أن تفرد عضلاتها على الأديب والفنان والمفكر، ولكنها أبعد ما تكون عن استيعاب الخطر الحقيقى المحدق بالجميع.
مثلاً فى اليمن، ثمة مخطط لتقسيم البلد إلى دويلات يمضى بخطوات حثيثة ولله الحمد! هل يمكن للرقابة أن تراقب ما يجرى التخطيط له؟ الجواب لا مع الأسف، لأن الرقابة لا تفهم فى مثل هذه القضايا الكبرى، ولو كانت هذه الرقابة تمتلك «دماغاً» لأدركتْ أن المصور الفوتوغرافى لا يشكل خطراً بالمرة على أيّ أحد أو أيّ نظام، ولكفت عن مطاردة المصورين الفوتوغرافيين اليمنيين واعتقالهم ومصادرة كاميراتهم.

المصور الفوتوغرافى هو فنان، مهمته فى الحياة إظهار الجمال ليتمتع به الملايين من البشر، ولكن الرقابة فى اليمن -التى تعددت بتعدد السلطات- ما زالت عمياء عن الخطر الإستراتيجى، وتركز على خطر وهمى تافه وضئيل، وتحقق انتصارات رخيصة ومبتذلة فى مراقبة وملاحقة المطبوعات والأنشطة الثقافية والتضييق الذى يصل فى أغلب الحالات إلى المنع على إنتاج الأفلام السينمائية والعروض المسرحية والندوات الأدبية.

فى عهد الرئيس السابق على عبدالله صالح، كانت الرقابة تطلب نسخاً من الكتاب بعد صدوره، والآن أصبحت الرقابة تطلب نسخاً من الكتاب المخطوط قبل صدوره، وهناك كتب رفضت الرقابة منحها رقم الإيداع الذى بموجبه يتم فسح الكتاب للنشر.. لقد تم تعديل قانون المطبوعات، وأعطت الرقابة لنفسها الحق فى مراقبة الكتب قبل صدورها، أيّ أن الرجل الذى اتهمناه بالديكتاتورية، يبدو مجرد تلميذ فى وقتنا هذا.

من يشرح لـ«الرقابة» أن صدور كتاب مهما كانت محتوياته لا يشكل خطراً على أحد؟ من يخبرهم أن اليمنى غير مهتم أصلاً بقراءة الكتب؟ تتباهى الرقابة بمنع كتاب ربما لن تباع منه سوى عشرات النسخ، أو ربما بعدد أصابع اليد الواحدة.

هل يمكن لهذه الرقابة أن تمنع بث القنوات الفضائية؟ يمكن لأيّ مواطن عادى أن يتابع القنوات التى يريدها، ويفهم ما يجرى ويعرف الأخبار أولاً بأول، ويبنى وجهة نظره وفقاً للقنوات الفضائية المفضلة لديه، فأين هو دور الرقيب من هذا البث الذى يصل إلى كل بيت بسهولة؟ حينما نقارن التأثير الهائل والشامل لهذه القنوات الفضائية ذات الإمكانيات الضخمة بكتاب لا حول له ولا مشترٍ له، سوف ندرك مدى غباء وسذاجة منع كتاب ما من الصدور.

تتمدد الرقابة باتجاه مراقبة محتويات وسائل التواصل الاجتماعى، ولكن هنا بالضبط ينطبق عليها المثل القائل: «من راقب الناس مات هماً»! فهى رقابة العاجز عن المنع، وموقفهم هو موقف المنتقم فقط، حيث يمكن معاقبة أصحاب المنشورات التى يرونها معادية من وجهة نظرهم، وربما وصل الأمر إلى اعتقالهم.

وفى اليمن تبين أن كل الأطراف السياسية تراقب المنشورات فى تويتر وفيسبوك، وتقوم بأرشفتها وتفتح ملفات لأصحابها، وبالفعل حدثت حالات اعتقال كثيرة يصعب حصرها.

إن فكرة معاقبة شخص ما بسبب منشور على صفحته الشخصية فى فضاء افتراضى، وليس فى مطبوعة عامة ذات حضور حقيقى مادى، هى دليل على أننا قد دخلنا فى مرحلة تاريخية غريبة ومفزعة أيضاً.

شخص ما ينشر رأيه فى صفحته على الفيسبوك، ولكن شخصاً آخر لا يعجبه هذا الرأى فيهب لمطاردة صاحب المنشور وربما أوعز بالإضرار به، وبينما يصنع «الفيسبوك» هذه الدراما، يستلقى السيد مارك زوكربيرغ على قفاه من شدة الضحك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى