أقلام رصاص

انهيار مالي عالمي وشيك و التربع على عرش العالم بقلم| صفوان باقيس

بقلم| صفوان باقيس

يمر العالم اليوم بمنعطفات و مطبات اقتصادية و سياسية خطيرة قد تسبب باندلاع حرب عالمية ثالثة بالرغم عن حرص كل الأطراف الفعالة في هذا الصراع من تجنبب اندلاع شرارة الحرب ولكن القوى العالمية تستعرض عضلاتها في عدة نقاط تماس حساسة مما يعزز المخاوف من احتمالية انفراط الأمور إلى مالا يحمد عقباه فهذا يساهم بشكل مباشر في زعزعة الثقة في الأسواق المالية. النتيجة تدهور محوري لنفوذ الولايات المتحدة العسكري فالقبضة الأمريكية تتراخى وهي مسألة وقت حتى تدرك أمريكا عواقبها.

المعركة غير المعلنة التي تدور رحاها اليوم هي معركة اقتصادية في المقام الأول بين الصين و الولايات المتحدة حيث تمتلك الصين اليد الطولى ولديها الكثير من الحيل التي من خلالها ربما تتمكن من كسر شوكة العملاق الأمريكي بدون حرب ساخنة.

أمريكا اليوم تتخبط استراتيجيا ولا تمتلك القدرة الكافية على إدارة عدة ملفات في آن واحد. فهي من بدأت الحرب الاقتصادية ضد الصين و تستفزها عسكريا في تايوان وبنفس الوقت تتحدى الدب الروسي في مناطق نفوذه التقليدية عوضا عن الملف النووي الإيراني ولا ننسى الحرب على الإرهاب و كوريا الشمالية و الصراع العربي الصهيوني وكذلك التوجه نحو حلف عرقي انجلو ساكسوني يهدد مصالح دول اليورو وكل هذا و العالم لم ينتهي بعد من معضلة وباء كرونا.

أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرا قرارات تمنع الشركات و الأفراد الأمريكيين من التداول و المعاملات التجارية او المالية مع الشركات الصينية ذات صلة بالجيش الصيني او الحزب الشيوعي، هذه السياسة امتداد لسياسة الرئيس السابق ترامب تجاه الصين.

لشرح تداعيات الخطوة الأمريكية فالصين تعتمد نظريا على سياسة الإقتصاد الموجه، فالدولة تنتهج في بعض الحالات السياسات الحمائية تجاه الأسواق المحلية و العملات فكل الشركات العملاقة في الصين لها صلة مباشرة او غير مباشرة مع الحزب الشيوعي و او الجيش الصيني فهذا شيئ هيكلي في القاعدة الإقتصادية و الايدلوجيا السياسة للنظام الصيني و مع هذا فالغرب وخصوصا أمريكا لا تخلوا العلاقة فيها من توجيه بين الدولة و الشركات العملاقة، مثلا اختراع الانترنت كمشروع يخص الجيش الأمريكي إلى شبكة أمريكية تجارية تديرها مجموعة من الشركات الخاصة الربحية.

صحيح ان الصين تعتمد على الإقتصاد الموجه نظريا ولكنها أقرب تطبيقيا للنموذج الغربي فيما يسمى السوق الحر وهو لب الفلسفة الراسمالية.

لا يمكن تصنيف الصين اليوم كنظام اشتراكي فقط فهي تطبيقيا تستخدم النموذج المختلط وهذا النموذج مطبق فعليا في فرنسا و بريطانيا وعدة دول غربية.

الرد الصيني المتوقع هو إسقاط عدد من الشركات الصينية ذات الثقل في المديونية و الاستثمار الغربي فيها، مثلا حجم الديون لدى شركة ايفرغرنادي لوحدها بلغ حوالي ٣٠٠ مليار دولار معظمها مديونية خارجية. لا توجد احصائية دقيقة لحجم الإستثمار العالمي في الصين ولكن يقدر بحوالي ١٠ تريليون دولار إذا أخذنا بالاعتبار الانسياب الرسمي المباشر الذي قدر ب١٧٠ مليار لعام ٢٠٢١ فقط او غير المباشر من غسيل أموال وتهرب ضريبي او تجارة ذاتية للأفراد و الشركات الصغيرة.

المفارقة العجيبة ان حجم الدولار الافتراضي لا يتعدى ٤٠ تريليون بينما النقد المتداول لا يتعدى ٦ ترليون و الجنيه الاسترليني لا يتعدى ٩٠ مليار إسترليني نقد متداول. الإقتصاد الأمريكي بمقياس حجم الناتج المحلي ككل لا يتعدى ٢١ ترليون دولار و البريطاني. ٢.٧ تريليون جنيه.

حجم المال في العالم على أقصى تقدير قيمته ما يعادل ٦٧ ترليون دولار فهذا يشمل كل العملات النقدية المتداولة في العالم و كذلك يشمل المعادن كالذهب و الفضة و الماس و المحاصيل النقدية.

و الاشد مفارقة ان الصين تمتلك اكثر من ٣ ترليون احتياط نقد بالدولار الأمريكي! اي بمعنى ان الصين لوحدها تمتلك اكثر من نصف السيولة النقدية للدولار في العالم ولديها من الاستثمارات الغربية في الصين بما يعادل ربع حجم الدوار الافتراضي في السوق العالمية وحوالي نصف حجم الناتج المحلي الأمريكي.

لهذا السبب نرى معدل التضخم عالي في الغرب لانه لا خيار أمام الخزانة الأمريكة الا طبع المزيد من الدولار ورفع سعر الفائدة الذي له نتائج عكسية على القوة الشرائية و بالتالي حافز ركود قاتل و انكماش قوي مجازا كالوقوع بين فكي كماشة او بين خيارين أحلاها مر. الدولار ليس مربوط بالذهب فقوة الدولار الحقيقة تتمثل بتفوق أمريكا العسكري و هيمنتها على المخزون و التداول النفطي العالمي و هذا لن يدوم.

تمتلك الصين عدة خيارات ربما اهمها التخلي بشكل كامل عن الدولار الأمريكي في التداول العالمي و استبداله بتداول مباشر بين العملات المحلية و اليوان مع استبدال الاحتياط النقدي العالمي بسلة من العملات الصعبة تستني الدولار و الاسترليني مع نهم شره لمخزون المعادن النقدية كالذهب. التخلي على الدولار ربما يتم عندما تنتهي الخزانة الأمريكة من طبع المزيد. نعم ستضرر الصين ماليا بشكل نسبي ولكن قوة الصدمة على الدولار و الإقتصاد الأمريكي ستكون أشد.

لعل بوادر سياسة الضرب تحت الحزام الصينية أتت اكولها فسوق البرصة الأمريكية اليوم تعاني انحدار شديد يسمى تصحيح market correction فهو شديد الانحدار وإن لم يتعافى في اليومين القادمين فإنه بشكل رسمي سيدخل مرحلة الانهيار فهذا الانهيار يتوقع له ان يكون الأكبر في تاريخ الراسمالية و ربما سيغير الخارطة الاقتصادية و الايدلوجيا الراسمالية إلى الأبد

اليوم الصين ترسل رسالة مفادها ان الصين ذات النظام الشيوعي الموجه الحمائي اكثر حرصا على نظام السوق الحر فهي أشد حرصا على الراسمالية من حرص مهدها بريطانيا وحامل رايتها أمريكا. الصين لن تستخدم اسلوب الحماية مع الشركات الفاشلة مثلما استخدمها الغرب في الازمة المالية ٢٠٠٨ عندما قامت الدول الغربية بتقديم حزمة من الدعم للبنوك لمجابهة أزمة الديون السامة في تناقض صارخ مع قيم و مبادئ السوق الحر و جوهر الراسمالية.

لقد وصف آدم سميث الأب الروحي للراسمالية لها على انها غابة من الأشجار فيها النبات الاقوى يزيح النبات الأضعف فينمو الاقوى لتصبح شجرة او تموت وتسقط و تفسح المجال لنمو جديد في عملية طبيعية تلقائية بدون تدخل عوامل خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى