أخبارتقارير وتحقيقات

حمى النبش الأثري تهدد روح اليمن حفريات عبثية بحثًا عن الكنوز في صنعاء القديمة

صنعاء – نورا الظفيري

تدفع المدن والمواقع الأثرية اليمنية ثمنًا باهظًا في ظل الحرب والكوارث المصاحبة لها منذ أكثر من سبع سنوات. تعرضت صنعاء القديمة خلال هذه الحرب لعدة مخاطر ضاعفت من تهديدات شطبها من قائمة التراث الثقافي العالمي، فيما لا تزال تقاوم الزوال. ومؤخرًا أضيفت عمليات النبش العبثي والحفر غير القانوني؛ بحثًا عن الكنوز، إلى قائمة المخاطر التي تهدد وجودها حرفيًّا.

خلال أغسطس وسبتمبر 2021م، رصدت الهيئة العامة للآثار والمتاحف التابعة لحكومة صنعاء، ثلاث حفريات في المدينة التي عادةً ما يتباهى اليمنيون بتاريخها المقدر بأكثر من 2500 سنة. إحدى حفريات الباحثين عن الكنوز كان ضحيتها معلمًا أثريًّا يزيد عمره عن 250 سنة؛ “قبة الشريفة” الواقعة في حارة معمّر. وكشف تقرير أعدته الهيئة العامة للآثار والمتاحف على نسخة منه، أنه تم الحفر في قبة الشريفة في الجهة الشمالية من ضريح داخل القبة على عمق مترين، وحفرة جانبية باتجاه اللحد بعمق 50 سم. وأضاف التقرير أنه من خلال فحص ومعاينة فريق النزول الميداني التابع للهيئة، ثبت “تعرض القبة للنبش بحثًا عن الكنوز أو الآثار الثمينة”.

نزلت مُعِدَّة التحقيق في اليوم التالي لتعرّض القبة للنبش وقابلت أهالي “حارة معَمّر”، الذين تحدثوا باستنكار واستياء بالغَين مما حدث للضريح.

يقول عبدالله زبارة بأنه دُعي من قبل أحد أهالي الحارة للعمل في تنظيف القبة/ الضريح من النفايات والأتربة، وعمل معهم 11 يومًا؛ من 11-22 أغسطس/ آب 2021. ويضيف: “توقفت عن العمل بعد ما اتصل لي التاجر (م.ع.ث) وقال: أوقف العمل، ولم يسلم لي غير 15 ألف ريال عن مدة العمل في تنظيف القبة. لم يسلم باقي حسابي، ولا صحة لما قالوا بأن أهالي الحارة استلموا مبالغ مالية كبيرة”.

ويتابع زبارة أنه كان “دائمًا” -أي خلال فترة العمل في تنظيف القبة- يقول لمن يشرفون على عمله إن الجهة الشمالية للضريح يحتاج للترميم وإعادة الأحجار التي تم أزالتها من القبة، لكنهم كانوا يحذرونه من الاقتراب من ذلك المكان. وفي صباح الخميس 16 سبتمبر/ أيلول، يقول المواطن عبدالله زبارة، إن سكان الحارة “تفاجَؤُوا” بوجود حفرية حول القبر وصولًا إلى اللحد، وأن “النبّاشين” عادوا في الليلة التالية عند الساعة 3:40 فجرًا ليأخذوا أدوات الحفر الخاصة بهم، وأن اثنين من أهالي الحارة أمسكا بهم، ثم أفلتوهم. “كل أهالي الحارة غضبوا لعدم القبض على النباشين، فهم غرماء الحارة”، يضيف زبارة.

تثير إفادة المواطن عبدالله زبارة عدة تساؤلات واستنتاجات؛ فبين الاتصال الذي تلقاه من التاجر (فاعل الخير) بالتوقف عن العمل بتاريخ 22 أغسطس/ آب، وبين اكتشاف أهالي الحارة نبش الضريح في 16 سبتمبر/ أيلول، 25 يومًا. ما الذي حدث خلال هذه المدة، وكيف تمكن أولئك الحفارون من نبش القبر دون أن يلاحظهم أحد من أهالي الحارة؟ كما أن عودتهم في الليلة التالية لأخذ أدوات الحفر، تدلّ على أنهم فعلوا فعلتهم دون خوف من أحد، بدليل أن من ضبطهم متلبسين بجريمة النبش، تركهم يذهبون!

ما هي “قبة الشريفة”؟

يقول عبدالكريم البركاني، مدير عام حماية الآثار والممتلكات الثقافية، إن هناك “قصورًا في المعلومات” عن “قبة الشريفة”، وما يُعرف عنها لا يعدو عن كونها “من أهم المآثر الإسلامية” في صنعاء القديمة. وبحسب البركاني، لا أحد يعرف مؤسسها ولا تاريخ بناء القبة، وأنه تعاقبت عليها الحقب التاريخية من حيث البناء والردم، فيما أفقدتها إعادة البناء الكثير من عناصر المعمارية الأصلية.

ويذكر مؤلف كتاب “مساجد صنعاء”، محمد أحمد الحجري، مسجدًا باسم “مسجد الشريفة” قال إنه كان “من المساجد العامرة” في فترة حكم الإمام يحيى حميد الدين، وحدد موقعه “خارج صنعاء عن يمين الخارج من باب الروم إلى جهة شُعوب وبلاد همدان”. ويرجع الحجري تاريخ بنائه إلى “النصف الثاني من القرن الثاني عشر” الهجري -بين العامين 1150 و1200هـ- وهو تاريخ يوافق بالتقويم الميلادي النصف الثاني أيضًا من القرن الثامن عشر الميلادي. أما تسمية المسجد بـ”الشريفة”، فنسبة لزينب بنت الإمام القاسم ابن الحسين المهدي أحمد (1128-1139هـ)/ (1716-1727م)، وكانت امرأة موصوفة بـ”المعرفة وجودة الرأي”، لدرجة أنها كانت تقوم أحيانًا بوظيفة زوجها يحيى بن محمد عبدالله ابن الحسين، المعروف في زمنه بـ”قاضي القضاة”. فما الذي كان يبحث عنه النبّاشون تحت ضريح هذه المرأة؟

يضيف البركاني أن ما تعرضت له القبة يعتبر ضمن الهجمات الشرسة التي تشكل تهديدًا عالي الخطورة على التراث الثقافي اليمني، بشقيه القديم والإسلامي، وهو ما يؤدي إلى تدمير بعض المواقع الأثرية، من بينها الأضرحة والقباب الدينية. ويشير إلى أن هذه القبة تعرضت لأعمال حفر غير قانونية تحت ستار العمل الخيري لترميمها وإعادة تأهيلها، لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ حيث اتضح أن الهدف هو البحث عن كنوز داخل القبة. كما يشير إلى أن نبش الأضرحة وأرضيات المباني التاريخية يعد من الأعمال الشائعة التي يقوم بها من يسمّون أنفسهم “فاعلي الخير” لترميم المنشآت الإسلامية، دون الرجوع للجهات المختصة.

ويؤكد البركاني على تعرض الكثير من المعالم والمواقع الدينية التاريخية لأعمال ترميم لا تراعي الجانب العلمي والآثاري، ما يفقدها أصالتها ومعلوماتها التاريخية، مرجعًا ذلك إلى تداخل المهام والاختصاصات بين الجهات المختلفة التي تقوم بأعمال ترميم.

وقامت معدّة التحقيق بالتواصل مع التاجر (م.ع.ث)، وهو مالك محلات تجارية في صنعاء، للرد على الاستفسارات بشأن ما حدث، لكنه رفض الحديث.

تزايد أعمال النبش

وأقرّ نائب وزير الثقافة التابعة لسلطة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، محمد حيدرة، بتفشي ظاهرة أعمال النبش والحفر غير القانوني في المدن التاريخية “بشكل كبير”، لافتًا إلى انتشار ما وصفها بعصابات النبش في “مختلف محافظات الجمهورية”، وأن هذه العصابات تركز بحثها عن “الآثار والمتروكات الأثرية القديمة ذات القيمة العالية”.

وفي حين عبّر نائب وزير الثقافة بصنعاء، عن رفضه وإدانته لهذه الأعمال التي تندرج ضمن “السرقة والنهب لموروث وتراث الشعب اليمني”، قال إن “هناك متابعة وملاحقة من قبل الوزارة لدى الجهات القضائية، للقبض على الأشخاص المتورطين بأعمال النبش”. “يوجد أكثر من ملف مفتوح فيما يتعلق بالنبش والحفر غير القانوني للآثار”، أضاف حيدرة.

كما أفاد مدير مكتب الآثار بأمانة العاصمة، فؤاد القشم، بأن هناك بلاغات تصل إلى مكتبه عن أعمال نبش متعمد لمواقع أثرية وتاريخية، وأخرى تحدث بالصدفة أثناء حفر أساسات لمبانٍ جديدة ويكتشف القائمون بها موقعًا أثريًّا في المكان. ويؤكد القشم أنه خلال أقل من شهر تم توثيق ثلاث حفريات في صنعاء القديمة، إحداها هذه في “حارة سبأ” في حوش منزل أحد المواطنين، حيث تم العثور على أعمدة أثرية تدل على وجود موقع أثري، وأنه تم إبلاغ الجهات الأمنية بأمانة العاصمة، وتم توقيف الحفر.

ويوضح رئيس الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، مجاهد طامش، أن الحفرية التي حدثت في حوش هذا المنزل “تم إيقافها في حينه”، مشيرًا إلى أن مالك المنزل “الريمي” استخرج ترخيصًا رسميًّا للبناء في حوش منزله، وعند حفر الأساسات تكشّف المكان عن موقع أثري، فتم إيقافه عن الحفر. وأضاف طامش أن فريقًا من الهيئة العامة للآثار والمتاحف والهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، نزل إلى المكان ورفع تقريرًا بحصر المعثورات، “على أساس أن يتم له السماح في جزء معين”.

غير أن التقرير الذي تم الحصول على نسخة منه ومؤرخ بـ23 أغسطس/ آب 2021، لا يوصي بالسماح لمالك المنزل بمواصلة الحفر والبناء في أي جزء من الحوش. وعلى العكس من ذلك، أوصى التقرير المرفوع للقائم بأعمال الهيئة العامة للآثار والمتاحف، بتوقيع “مدير عام مكتب الآثار بأمانة العاصمة” و”مدير عام حماية الآثار والممتلكات الثقافية”، بـ”التدخل السريع” وفقًا للتوصيات التالية:

إيقاف الحفر العشوائي أيًّا كان نوعه أو التوسع فيه أو صب الخرسانة على الأماكن التي تم حفرها، بل تترك كما هي مفتوحة؛
إيقاف العمل فورًا في المكان لاتخاذ الإجراءات العلمية والأثرية لدراسة المكان المكتشف؛
إجراء مجسات اختبارية، يحددها المختصون الأثريون في الموقع لدراسة المكان ومحيطه؛
تصحيح أعمال الحفر العشوائي الحالي إلى حفر أثري علمي كي تتضح الرؤية لتلك المكتشفات، والتي على ضوئها سيتخذ القرار اللازم فيها؛ إما التوسع في الحفر الأثري أو توثيق تلك المكتشفات وردمها؛
البحث عن تمويل لتلك الأعمال، ومن الممكن أن يساهم فيها صاحب المكان إذا كان الأمر يتطلب معالجة فقط؛
دراسة طبقات التربة للتأكد منها إن كانت طبقات استيطان أو ردميات من مخلفات إنشائية قديمة أو خلاف ذلك.
التقرير نفسه أفاد بأن المكتشفات الأثرية في حوش منزل المواطن الريمي، كانت عبارة عن “أجزاء من عمود مثمّن الأوجه من حجر البلق طوله متر… على قاعدة حجرية، ويعود لفترة ما قبل الإسلام”، إضافة لعمود آخر أسطواني الشكل من الياجور ومغطى بمادة “القَضاض” (مادة تشبه الأسمنت كانت مستخدمة قديمًا في اليمن). ورجح معدّا التقرير أن هذه المكتشفات وغيرها في المكان نفسه، “تدل على بقايا مبنى لم تكشف هويته بعد”، مستدلين على ذلك بوجود “نقش بخط المسند على حجر بَلَق ضمن الكتل الحجرية على جدار الحوش”، و”عنصر زخرفي كتابي آخر (إسلامي) على حجر جيري في نفس جدار الحوش”.

بئر تحت غرفة

مدير عام مكتب الآثار بأمانة العاصمة، فؤاد القشم، رفع تقريرًا آخر بتاريخ 31 أغسطس/ آب 2021، إلى القائم بأعمال الهيئة العامة للآثار والمتاحف، بشأن حفرية ثالثة سميت “حفرية بئر بيت الحواتي”.

أفاد التقرير بأن مالك المنزل قام بالحفر في أرضية إحدى غرف الدور الأرضي، “بحثًا عن الكنوز الأثرية، كما يقول”. وعلى عمق ثلاثة أمتار، عثر على “فتحة صغيرة لبئر قديمة مطوية بالأحجار”، كما عثر على كسر فخارية متنوعة وكسر من حجر “الحَرَض”، ورجّح مسؤول الآثار في تقريره أنها “ترجع إلى الفترة الإسلامية المتأخرة”. شجعت هذه الفتحة الصغيرة وكسر الفخار المتناثرة حولها مالك المنزل على الاستمرار في الحفر حتى وصل إلى عمق 45-50 مترًا، وهو ما حذر مسؤول الآثار، فؤاد القشم، من أن ذلك سوف يتسبب بأضرار للبيت نفسه وللبيوت المجاورة، وجميعها من البيوت التاريخية، إذ تقع في نطاق مدينة صنعاء القديمة (منطقة التحرير). هذه الحفرية غير القانونية تمت بالتزامن مع حفرية “قبة الشريفة” في حارة معمّر، حسبما أفاد مدير عام إدارة المتابعة والإزالة في الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، محمد المهدي.

الحرب تشعل حمى النبش

في سياق حمى النبش المتفشية بالتزامن مع استمرار الحرب في البلاد منذ أكثر من سبع سنوات، حذر القشم، من الحفر داخل مدينة صنعاء القديمة؛ لأن “صنعاء الحالية تحتها أكثر من ثلاث صنعاء، منها “أزال” و”سام”، وأن أي نبش في أي موقع في المدينة يتوقع أن يتم العثور على بقايا بناء معماري أو آثار موجودة تحت الطبقات السفلى. ويضيف أنه من الخطورة البالغة البناء على الأرض البيضاء أو المساحات الصافية بين البيوت والحارات، لأنه من المتوقع أن يكون تحتها مواقع أثرية، لذلك لا بد من التشديد والمنع من البناء فيها. ويتابع القشم أنه إذا تم البناء في المساحات البيضاء، سوف تصبح صنعاء القديمة بعد 10-20 سنة، غابة من الأسمنت.

ويوضح عبدالكريم البركاني، أن عمليات النبش والحفريات غير القانونية بحثًا عن الكنوز في صنعاء القديمة، تزايدت بصورة مكثفة منذ العام 2016، ولم تتوقف إلى الآن. ويقول مدير عام حماية الآثار والممتلكات الثقافية، إن الهيئة العامة للآثار والمتاحف وثّقت خلال العام 2017 فقط، بين 18-20 حفرية غير قانونية ارتكبها ملاك منازل تاريخية في صنعاء القديمة، وهذا لا يعني أن جميع حفريات البحث عن الكنوز يتم توثيقها لدى الجهات المختصة أو الإبلاغ عنها للجهات الرسمية. ويشير البركاني إلى أن لجانًا فنية وأمنية شُكلت عبر وزارة الثقافة كانت المهمة الأمنية منها التقصي عن أعمال الحفر غير القانوني، وإحالة المتسببين إلى الجهات المختصة، أما اللجنة الفنية فتقوم بالنزول إلى مواقع الحفر وتوثيق ما تم اكتشافه، لافتًا إلى أنه “تم العثور على مكتشفات مذهلة من بعض المداميك والأحجار الأثرية وبقايا منشآت تعود إلى فترة أقدم من صنعاء القديمة الحالية”.

أما بالنسبة لبقية المحافظات، فيذكر البركاني أنه تم تسجيل خلال قرابة نصف شهر، ما يزيد عن 14-16 بلاغًا بتدمير بعض المواقع الأثرية في عموم محافظات الجمهورية.

ضياع التاريخ وطمس المدن

و يحذر الدكتور علي سعيد سيف، أستاذ الآثار الإسلامية بقسم الآثار والسياحة- جامعة صنعاء، من تأثير الحفريات العشوائية وغير القانونية في ضياع التاريخ الحضاري لأي دولة. ويضيف: “أي حفرية لا تقوم على أساس علمي، تهدم التاريخ؛ لأنه من خلال الحفريات العلمية يتم دراسة الطبقات التي يتم اكتشافها وتحديد إلى أي فترات زمنية تعود، ويتم قياس التاريخ على أساسها”. وإلى ذلك، يقول أستاذ الآثار الإسلامية: “من خلال اللقى الأثرية التي يتم اكتشافها، يتم معرفة مدى تحضر المجتمع اليمني، اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، لكن بالحفر العشوائي يتم طمس تلك الطبقات”.

وتقول الدكتورة نادية الكوكباني، أستاذ العمارة المشارك، كلية الهندسة بجامعة صنعاء، أن عمليات النبش والحفر غير القانوني، “تؤثر بشكل كبير على البنية التحتية للمدن التاريخية”. وتشدد على “رفع الوعي الجمعي بأهمية الحفاظ على المدينة [صنعاء القديمة] التي لن ينقذها إلا أهلها، ولا نعوّل كثيرًا على غير ذلك”.

ويوضح عبدالكريم البركاني أن عمليات الحفر العشوائي وغير القانوني، وإفراغ المباني من محتوياتها من الأتربة الضاغطة على الأساسات والجدران، يؤدي إلى تفكك الهياكل المعمارية للمباني، وبالتالي تعرض المباني التاريخية للانهيار والاندثار.

ضعف قانون الآثار

ويضيف البركاني: “نحن معترفون بقصور في قانون الآثار، وبأنه لا يطبق بالشكل الصحيح على مرتكبي هذه الجرائم”، معتبرًا إياها “جرائم إنسانية أخلاقية عبثية في مال عام”، باعتبار التراث الثقافي مملوكًا للدولة، ويجب تجريم كل من يعتدي عليه، سواء بالتخريب أو النبش أو التجارة غير المشروعة”.

ويتابع: “نحن نعمل على إصدار قانون جديد يتضمن عقوبات مغلظة لمرتكبي هذه الجرائم، وهو الآن في وزارة الشؤون القانونية لإدراجه ورفعه لمجلس الوزراء، وقد انتظرناه طويلًا منذ ما يقارب 11 سنة، إلا أنه لم يرَ النور إلى اليوم”.

ويوضح مدير عام حماية الممتلكات الثقافية بالهيئة العامة للآثار، أن قانون الآثار القديم تم اختراقه في أكثر من منطقة، وأدى ذلك إلى تدمير الكثير من المواقع الأثرية. ويضيف: “تاجر الآثار أو الذي يقوم بالتدمير العشوائي للمواقع الأثرية، تُطبق عليه العقوبات المخففة وليست العقوبات المشددة، بحيث تكون رادعة لكل من تسول له نفسه العبث بالممتلكات الثقافية اليمنية”، مشيرًا إلى أن الجاني في هذه الجرائم “يطلق سراحه في نفس اليوم الذي تم القبض عليه، إما بضمانة أو بوساطة أو جاه”.

ويأسف البركاني لكون “بعض الدوائر القضائية تعتبر الممتلك الثقافي اليمني ممتلكًا رخيصًا”، إذ قال إن “بعض القضاة لا يحكمون ضد تجار الآثار”، وفقًا لمقولة مفادها “لا حُكم فيمن يتاجر بوثن”، معتبرًا إياها “نقطة خطيرة، حين لا يدرك القضاة أهمية الآثار والقطع الأثرية”.

ويتهم أستاذ الآثار الإسلامية علي سعيد سيف، وزارة الشؤون القانونية بالتواطؤ ضد الآثار، لأنها “لم ترفع القانون الجديد منذ العام 2011، إلى مجلس النواب ليتم إقراره”. ويتابع: “هناك من هم ضد الآثار، ليس من المواطنين فقط، وإنما من المسؤولين الحكوميين، وليس من اليوم، وإنما من السنوات الماضية، حيث إن قيمة الأثر لا يقاس بالقيمة المادية، بل بما يحمله من قيمة حضارية”.

وفي السياق القانوني لحماية الآثار، قال نائب وزير الثقافة، محمد حيدرة، إن “هناك مصفوفة تعديلات قانونية لجميع التشريعات المعنية بالحفاظ على الموروث الثقافي”، وأن الوزارة ستعقد ورش عمل في شهر رجب [1443هـ] لهذا الغرض، ومن خلالها “سيتم إعداد تعديلات قانونية خاصة بالآثار والمدن التاريخية والتي من شأنها الحفاظ وصون الآثار”. ويوافق حلول شهر رجب للسنة الهجرية الحالية، بين شهري فبراير ومارس 2022.

متورطون بعمليات النبش

تزايدت عملية الحفر بشكل كبير مؤخرًا، وهناك حفريات عشوائية حصلت في صنعاء القديمة، إذ تتوقف مهمة الهيئة العامة للآثار عند عملية إبلاغ جهات الضبط ورفع التقرير.

يقول فؤاد القشم، مدير عام مكتب الآثار بأمانة العاصمة صنعاء: “من خلال خبرتنا في السنوات الـ25-30 الماضية، فإن الذين يقومون بالنبش، هم للأسف كانوا مسؤولين في الدولة؛ ضباط وتجار كبار عملوا على تهريب الآثار إلى الخارج، وهم من يمولون النباشين الصغار”.

ويتابع أن هؤلاء “المسؤولين”، “كانوا يبيعون القطع الأثرية لدول الجوار، ولا سيما الخليجية، والآن يقيمون معارض بتلك القطع”، وأن هناك مسؤولين “يمتلكون في بيوتهم بدرومات (أقبية) للقطع الأثرية، وهناك من كان يضع أعمدة ومسلات أثرية كديكور لبستان بيته”.

وعند استفساره عن أمثلة لهؤلاء المسؤولين الذين يقصدهم بحديثه، ذكر أسماء: طارق صالح، عبدالملك السياني، مهدي مقولة، وأبو لحوم، مشيرًا إلى أنهم كانوا حتى وقت قريب يحتفظون في منازلهم بقطع أثرية قال إنها تضاهي مقتنيات المتحف الوطني، وأنه “تم نقل تلك القطع إلى المتحف الوطني”.

مصير القطع المتحفية أثناء الحرب

الحفاظ على محتويات المتاحف الأثرية أثناء الحرب، يأخذ عدة أشكال من الحماية، وفي هذا السياق تحفظ مسؤولو الآثار الذين التقتهم معِدّة التحقيق عن التصريح بهذا الشأن. غير أن مسؤولًا آثاريًّا سابقًا -فضل عدم ذكر اسمه- أفاد بأن إجراءات إخفاء أهم القطع الأثرية بدأت منذ وقت مبكر في العام 2011، مشيرًا إلى أنها أخفيت “بطرق رسمية وقانونية في أماكن آمنة”، وأن الجهات المختصة بالآثار تستطيع استعادتها بعد انتهاء الحرب، حسب تعبيره.

وبعيدًا عن الإخفاء الاحترازي للقطع الأثرية المهمة خلال فترة الحرب، لا تزال مئات، إن لم تكن آلاف، القطع مشتتة في متاحف العالم ومكتبات جامعي الآثار في أكثر من دولة. وفي هذا الصدد، يقول نائب وزير الثقافة في حكومة صنعاء، محمد حيدرة، أن “هناك لجنة تقوم بتقييم الأضرار وعملت على إعداد مصفوفة للآثار المهربة والتي تعرض في المتاحف العالمية، للمطالبة باسترجاعها”.

ويضيف القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف، عبدالله ثابت “هناك الكثير من القطع الأثرية تم تهريبها إلى الخارج، ومنها قطعة أثرية تعد من النفائس اليمنية”، في إشارة إلى الوعل البرونزي الذي تم عرضه مطلع العام 2021، في اليابان ثم في باريس، “وهو الآن بحوزة أحد أمراء الخليج”. ويقول ثابت إنه “تم رفع ملفات إلى المنظمات الدولية”، وأنه سيتم على إثرها رفع قضية، بالتشارك مع وزارتي الخارجية والشؤون القانونية [حكومة صنعاء] لنطالب بإعادة التمثال إلى وطنه”.

ويقول عبدالكريم البركاني: “نعمل بحسب اتفاقية (يونيدروا) بشأن الممتلكات الثقافية المنقولة بطرق غير مشروعة (1995)، وقمنا بإبلاغ الإنتربول- الشرطة الجنائية الدولية، وإبلاغ المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث العالمي، وتقوم وزارة الخارجية بالتمثيل في القنوات الدبلوماسية وإعداد الوثائق التي تثبت هُوية كل قطعة”. وحصلت معدّة التقرير الخاص بخيوط على صور القطع الأثرية التي يتم المطالبة باسترجاعها من الهيئة العامة للآثار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى