أقلام رصاص

امسكوا السارق! بقلم| فكري قاسم

بقلم| فكري قاسم

مش من مصلحة الحكومات والأنظمة العربية الفاسدة أن تقطع أيادي اللصوص؛
لأنها لو فعلت ذلك فمن سيصفّق لها إذن؟
***
عندما وازن “بريشت” بين القانون والعدل واللصوصية
اعتبر أن القانون هو التسمية المؤدبة للسرقة والقهر، وأن المجتمع يطارد اللصوص الصغار ليحمي لصوصه الكبار.
وذلك صحيح إلى حد كبير.
مثلاً، سيهرع شارع بأكمله لمطارة لص سرق حذاء من المسجد، وسيمسكوا به ويهروه ضربًا ينسيه اسمه ومقاس الحذاء الذي يلبسه كمان.
لكن الشارع نفسه سيقف متفرجًا لبيبًا حيال أولئك الذين يسرقون روحانية المسجد بأكمله ويحولونه من بيت للعبادة إلى بيت لتعبئة الأفكار المشحونة بالحقد والكراهية ومكان لنسف قيم الحب والخير والتعايش في ديننا الإسلامي الحنيف.
ومش كذا بس،
بل إنك ستجد الشارع اللي طارد سارق الحذاء يقف بإجلال وتعظيم لسرّاق الجوامع، وسيمنحهم ألقاب التبجيل، وسيضرب لهم تعظيم سلام مربع، ويسميهم مشايخ!..
قبل فترة لا بأس بها، بالمناسبة، دخل إلى حارتنا بمنتصف الليل لص وقلبها رأسًا على عقب، واستيقظ جميع الأهالي من نومهم هلعين من صراخ صاحب البيت الذي تسلل إليه اللص وراح يصيح بكل صوته:
-امسكوا السارق
وبدأت من تلك اللحظة المطاردة بعد اللص من زقاق إلى زقاق ومن سقف إلى آخر .
كلهم خرجوا من بيوتهم متشنجين يدوروه بالسراج ويصيحوا :
– أين سار؟ أين جاء؟
الذي خرج بالجنبية يدور السارق شيطعن أبوه
والذي أخذ البندقية وخرج يلاحقه شيعمل له طلقه
والذي نتع له صميل وخرج يصيح:
– أين جاء الملعون ابن الملعون
والذي راح يصفع خدوده من شدة الندم لأنه طلع أهبل وباع بازوكة تفيّدها في الأيام الأولى من الحرب، وجلس يندب حظه، ويقول:
– أووو ليت والله وخليتها كان شندع أبوه بها .
والذي نبع ونتع سيف قديم معلق للزينة في غرفة الاستقبال وخرج مهرول بسروال النوم ولا عنتر شايل سيفه في معركة بوقت متأخر من الليل لاسترجاع الأندلس المفقود..!
حتى جاري الذي ظل يردد دائمًا أن صوت المرأة عورة، نهر زوجته وأهانها بشدة يومها لأنها لمحت السارق يهرب من أمامها ولم تصرخ أو تغوّر.
كلهم عمومًا خرجوا يدوروا السارق يشتوا يمسكوه عشان يخرجوا غَرْقتهم من لصوص المجتمع الكبار فوق رأسه، وما بوه معاهم غريم إلا هوه.
واستمرت ملاحقة السارق والبحث عنه لمدة ساعتين من دون أي جدوى، لقد كان لصًّا خفيفًا شبيه الريح، لو أن لدينا وزارة شباب ورياضة بنت ناس، وتعتني بالمواهب لكان ذلك اللص الخفيف أحد لاعبي القوى المعتبَرين في العالم، لكن اللصوصية نفسها هي التي دمرت كل موهبة في البلد على أي حال.
وعاد الجميع إلى بيوتهم قبل أذان الفجر بخفي حنين فيما كان اللص الخفيف قد اختفى تمامًا مثل فص ملح ذاب.
وفي اليوم الثاني مباشرة استيقظ أهالي الحارة من نومهم على ارتفاع مهول في أسعار السلع الأساسية التي تدخل إلى كل بيت، ولكن من دون أن يفكر أحدهم يخرج يدور السارق الخفي الذي امتدت يده إلى لقمة عيشهم..!
والآن عمومًا يمكنني أن أطمئنكم، وأقول:
الحمد لله؛ لأن اللصوص الصغار أقلعوا تمامًا عن مغامرة الدخول إلى حارتنا من بعد تلك المطاردة الليلية وراء لص خفيف طار مع الريح.
لكن الكارثة الحقيقية والمستمرة في عصد حياتنا بشكل يومي هي أن اللصوص الكبار ما يزالون يتسللون إلينا طيلة الوقت عبر السلع والمواد الأساسية التي تدخل إلى بيوتنا كل يوم بأسعار مضاعفة وما فيش من يخرج ليصيح: امسكوا السارق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى