ثقافة وفن

الخط المسند الحميري أحد سفراء اليمن

الوطني – ثقافة وفن 

لكل دولة ولكل كيان مجتمعي سفراء ، ومن أشهر سفراء الحضارة اليمنية القديمة ­_ على اختلافهم وعلى كثرتهم_ خط المسند الحميري أو كما يسميه بعض الدارسين خط النصب التذكارية ذلك الخط الذي يعود إليه الفضل في نشر ثقافة اليمن وحضارته خاصةً ًالقديمة .

خط المسند ، هو الخط الذي كان يستخدمه سكان اليمن القدماء في كتابتهم ، وينصرف هذا المعنى إلى الأبجدية التي استخدمها اليمنيين القدماء في كتابة مفردات وألفاظ لغتهم ، فيقال خط المُسند ونقوش المُسند وما إلى ذلك من تعابير يراد بها الكتابة والتدوين. أما المُسند في اللغة، فيقصد به التوثيق التذكاري ، وأصل اللفظ من الجذر (سند) الذي يرد بمعنى ( وثَّـق ، عـضـد ، دعـم ) ومنه السند وهو الوثيقة أو المستند.

ويعتقد البعض بأن عمر خط المسند يرجع إلى القرن العاشر أو التاسع أو الثامن أو السابع قبل الميلاد و هذه تواريخ جار عليها الزمن و تعتبر أبحاث قديمة المكتشفات الأركيلوجية الآن تقول بأن عمر خط قلم المسند يؤرخ إلى الألف الثالث قبل الميلاد و هو خط محلي يماني بإمتياز .

التاريخ والتطور

في البداية من المهم أن يؤخذ بالحسبان أن الأشكال التي ظهر بهاالمُسند كانت نتيجة طبيعية للتطور التاريخي خلال الفترات الزمنية التي استخدم فيها، وأي أبجدية لابد وأن تطرأ عليها تطورات وتغيرات خلال فترات مختلفة والمُسند لم يكن بعيداً عن مثل هكذا تطورات وذلك لأنه ولد وترعرع وتطور وازدهر على تراب الأرض اليمنية متميزاً بحروفه اللينة القابلة للتطويع ولعبت مهارة النحات والكاتب اليمني دوراً بارزً في زخرفه شكل الخط الذي يختلف تبعاً لنوع المادة المكتوب عليها النقوش كالصخور و المعادن، ويمكن القول بأن تنوع خطوط المُسند شبيه بحالة خطوط اللغة العربية الفصحى فهناك النسخ والرقعه والكوفي والديواني … الخ.

المراحل الزمنية

خط المُسند مرَّ بـ أربع مراحل زمنية مختلفة وهي:

المرحلة الأولى: أقدم المراحل حيث كان يستخدم حينها راتينج الأشجار في الكتابة على جدران الكهوف والمغارات التي استوطنها الانسان اليمني مثل كهف الميفاع الأثري بالبيضاء (انظر الصور2,1) ويعود تاريخ هذه الكتابات والرسوم إلى الألف الثالث قبل الميلاد (العصر البرونزي) وحينها كانت الكتابة بشكل بسيط وبدائي غير منتظم.

الصور 2,1 : نقوش ورسوم مكتوبة باستخدام راتينج الأشجار – كهف الميفاع – محافظة البيضاء التقط الصورأ. خالد الحاج ، أحد الأثريين ضمن فريق التنقيب في الكهف .
الصور 2,1 : نقوش ورسوم مكتوبة باستخدام راتينج الأشجار – كهف الميفاع – محافظة البيضاء التقط الصورأ. خالد الحاج ، أحد الأثريين ضمن فريق التنقيب في الكهف .

المرحلة الثانية: أصبح شكل الخط أكثر انتظاماً من ذي قبل فظهرت الحروف بشكل زاويا وخطوط مستقيمة وتؤرخ هذه المرحلة ما بين 1500- 1200 ق.م ، حيث عثر على أواني فخارية مكتوباً عليها بحروف المُسند أسماء أشخاص في التنقيبات التي أجريت بمناطق (هجر بن حميد) و (هجر الريحاني) و(وادي الجوبة) بمارب وغيرها.

المرحلة الثالثة: كانت بالتزامن مع قيام وازدهار الممالك اليمنية القديمة في نهاية الألفية الثانية، وبداية الألفية الأولى قبل الميلاد حيث ظهرت الحروف بشكل أكثر حدة وأكثر انتظاماً واتساقاً، ويعود لهذه المرحلة ما يعرف بالنقوش المكتوبة بطريقة المحراث أو نقوش المكاربة.

المرحلة الأخيرة: تميز فيها المُسند بالزخرفة فظهر بأشكال متنوعه بلغ حد الرسم وبإبداع يفوق الوصف.

الأبجدية والكتابة

حروف خط المسند: يتكون خط المُسند من (29) حرفاً تكتب منفصلة عن بعضها ، ويفصل بين كل كلمة وأخرى خط عمودي|.

أنواع خط المسند

الأول يعرف بالمُسند الرسمي المستخدم في النقوش التذكارية الرسمية المكتوبة على الصخور والمعادن .والثاني يعرف بالمُسند الشعبي (الزبور) المستخدم في الكتابة على أعواد الخشب وعُسُب النخل.

جدول حروف المسند وحروف الزبور وما يقابلها في العربية الفصحى

أسلوب الكتابـة مرَّ بمرحلتين : المرحلة القديمة : كانت النقوش تكتب بطريقة المحراث وهي أن يبدأ الكاتب في السطر الأول بالكتابة من اليمين إلى اليسار وعندما ينتهي يكتب السطر التالي من اليسار نحو اليمين وهكذا إلى نهاية النقش.

الصورة 3 : النقش MṢM 3640من محفوظات المتحف الحربي – صنعاء المكتوب بطريقـة المحراث السطر الأول من اليمين إلى اليسار ثم العكس …الخ

المرحلة الوسيطة والحديثة: كُتبت النقوش كما نكتب نحن حالياً من اليمين إلى اليسار .

الصورة 4 : جزء من النقش IR 6الصورة منقولة من تقرير صحفي لوكالة ( اسوشيتد برس ) عن معبد أوام هذا النقش مكتوب بالطريقة العادية من اليمين إلى اليسار وبطريقة النحت الغائر ، كما يظهر على الصخر آثار التسطير واللون الأحمر المستخدم في الطلاء ..

وكذلك في نقوش الزبور كما نكتب نحن حالياً من اليمين إلى اليسار .

الصورة 5 : النقش BSB Mon.script.sab. 134 من محفوظات مكتبة ولاية بافاريا – ألمانيا نقش زبور مكتوب على عود خشبي

طريقة الكتابة على الصخور

استخدم الإنسان اليمني في الكتابة على الصخور المطرقة والإزمير (الشرني) وهناك أنواع ومقاسات وأشكال مختلفة لرؤوس الشراني المستخدمة في نحت الحروف منها الحاد والمائل والعريض والمثلث والمحدب وكل منها يستخدم بما يناسب شكل الحرف ونوع الصخر ، مع العلم بأن هناك أبحاث حديثة ترى بأن طريقة الكتابة على الصخور تتم بإستخدام القالب وبيان ذلك بأنه كان يتم نحت وصنفرة واجهة الصخر الذي سوف يُكتب عليه النقش ، ومن ثم يتم تقسيم الواجهة إلى سطور متساوية ، ومن ثم يُكتب نص النقش باستخدام مسطرة وآلة حادة على قطعة من الجلد اللين مقاسها يساوي مقاس الصخر وبنفس شكل توزيع السطور ، وبعد الانتهاء من الكتابة تصبح قطعة الجلد بمثابة قالب يتم تثبيته على واجهة الصخر يلي ذلك صُنع طلاء نعتقد بأنه خليط أنواع من الحجر الرملي + راتينج الأشجار (عصارة اللحاء والأوراق) بحيث يتم سحق المكونات وخلطها بالماء لتشكيل معجون سائل كثيف القوام ، ويتم طلاء المعجون على القالب الجلدي المثبت على الصخر فتنطبع الحروف فوق واجهة الصخر كما هي بالقالب تماماً ، وبعد أن يجف الطلاء يُنزع القالب ويستخدم الكاتب المطرقة والازمير – الشرنيبنحت الحروف الظاهرة على الصخر بحيث يظهر النحت مطابقاً لشكل حروف القالب وبنفس القياسات وبشكل رائع جداً.

وبطبيعة الحال الكتابة أو النحت بهذه الطريقة تجعل العمل متقن 100% وللقارئ أن يتصور الوقت والجهد المبذولين فيما لو كانت الكتابة والنحت على الصخر مباشرة ، بمعنى أنه لو أخطأ الكاتب بحرف واحد فقط أو أخطأ بمسار السطر وظهر غير مستقيم سوف يعيد نحت وتشذيب واجهة الصخر بالكامل من جديد ويكتب النقش مرة أخرى، لكن بوجود القالب لا مجال للخطأ والنحت يكون أسهل وأسرع وقياسات الحروف تكون موحدة،وهذه الطريقة أيضاً تتيح للكاتب إمكانية زخرفة الحروف على القالب كيف يشاء، كما تتيح له حرية نحت وإظهار الحروف على الصخر ، مثلاً ينحت – يكتب على الحرف الملون مباشرة كما هو حال النقش IR 6 (الصورة4) ويسمى النحت بهذه الطريقة نحت غائر ، أو يقوم بنحت المساحات التي لا يوجد عليها طلاء حول الحروف ويترك الحروف كما هي دون نحت مثل النقش (RES 4705) (الصورة6) ويسمى النحت بهذه الطريقة نحت متداخل.

الصورة 6 : النقش RES 4705من محفوظات متحف الفنون الشرقية – روما – ايطاليا يظهر الكتابة بطريقة النحت المتداخل

مساهمة المُسند في نشر الثقافة اليمنية

من المعروف بأن الحضارة اليمنية تعتبر أقدم الحضارات المستقرة التي قامت في شبه الجزيرة العربية والتي كانت نشأتها الأولى في عصور ما قبل التاريخ مروراً بالعصور المبكرة والوسيطة والمتأخرة فأنتجت حضارة راقية جداً وتوضح الشواهد أن تلك الحضارة أقامتها ممالك شغلت كل واحدة منها أحد الأودية التي تصب في الربع الخالي وهذه الممالك الرئيسة هي: سبأ، أَوسان، قتبان، معين، حضرموت، بالإضافة لممالك أخرى أقامها اليمنيين داخل وخارج شبه الجزيرة وصلت إلى مستوى عالٍ من الرقي والتقدم مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وكان للثروات الطبيعية التي امتلكتها اليمن دوراً رئيسياً في إزدهار تلك الممالك حيث أسهمت التجارة في انتشار اليمنيين على مساحات واسعة من شبه الجزيرة العربية ولعب المُسند دوراً بارزاً في نقل الثقافة اليمنية داخل الجزيرة وتعدى ذلك إلى حضارات أخرى أقامها اليمنيين خارج شبه الجزيرة العربية.

ففي داخل الجزيرة أقام اليمنيين مراكز ومستوطنات وحاميات عسكرية لتأمين القوافل على إمتداد الطريق التجاري القديم المعروف بطريق البخور الممتد من ميناء قنا على ساحل البحر العربي مروراً بمدن شبوة، ومأرب، ووادي الجوف، ومنه إلى نجران حيث يتفرع إلى فرعين الفرع الأول يمر عبر قُرَيَّة بوادي الدواسر/ ومنه يتجه إلى هجر على ساحل الخليج ومن ثم الى وادي الرافدين ، والفرع الثاني يتجه من نجران نحو الشمال مروراً بيثرب ثم ددان ثم البتراء ومنها إلى ميناء غزة على البحر المتوسط ومن هناك يتجه فرع نحو الشام والآخر نحو مصر.

وهكذا غدت المراكز التي أقامها اليمنيين على هذا الطريق لحماية القوافل نقاط اتصال حضاري مع شعوب شمال وشرق شبه الجزيرة ونقل اليمنيين معهم لغتهم وثقافتهم لتلك المراكز التي ازدهرت بشكل كبير حيث أضحت مدن وبعضها ممالك مثل مملكة ددان، ولحيان، ومملكة كندة، وممالك نجران ، وأصبحت تلك المدن والممالك ملتقى التجار والمسافرين من مختلف المناطق، وكان للمُسند الدور الأبرز في نشر الثقافة والحضارة اليمنية في أرجاء شاسعة من شبه الجزيرة العربية حيث استخدم المُسند في لغات المجتمعات المجاورة للممالك والمدن اليمنية من أبناء قبائل الشمال والوسط فظهرت النقوش اللحيانية، والثمودية، والصفوية والدادانية المشتقة من المُسند اليمني ، كما عثر على العديد من النقوش المُسندية في الكثير من المناطق كالعراق والشام وسيناء ومصر.

أما بالنسبة لتأثير المُسند على الحضارات خارج نطاق شبه الجزيرة العربية فإن أبرز مثال على ذلكفرع الحضارة اليمنية في شرق أفريقيا المتمثلة بمملكة (دعمت) التي أقامها اليمنيين مطلع القرن الثامن قبل الميلادوالتي استمرت حوالي (400) عام استطاع اليمنيين خلالها نشر ثقافتهم ولغتهم وديانتهم في القبائل التي كانت تقطن الحبشة وما يجاورها وتوجد الكثير من النقوش المُسندية في المتاحف الأثيوبية والارتيرية، بل وتعدى ذلك إلى أن الأحباش اشتقوا من خط المُسند (الخط الجعزي) ومن اللغة اليمنية القديمة (اللغة الأمهرية) التي ما تزال موجودة ومتداولة حتى اليوم.

وهكذا نجد بأنه لم يقتصر استخدام المُسند على اليمنيين فقط،بل يمكن القول بأن المُسند اليمني مثَّل نظام الكتابة الأوحـد والأول في شبه الجزيرة العربية واشتق منه عدد من الخطوط التي استخدمت في لغات داخلية وخارجية قديماً. وبهذا يستحق المُسند أن يطلق عليه لقب السفير الذي حمل بين ثنايا حروفه إرث وتراث وثقافة اليمنيين وعمل على نشرهـا داخل وخارج شبه الجزيرة العربية.

 

 

الصورة 7 : النقش DJE 12 Graf 1 من محفوظات المتحف الوطني بصنعاء يظهر شكل مميز من أشكال الحروف المزخرفة
الصورة 8 : النقش BaBa al-Ḥadd 7 من محفوظات متحف بني بكر – يافع يظهر شكل مميز للحروف المزخرفة
الصورة 9 : النقش Gar BSEجرى إعادة استخدامه ضمن أحد المنازل بمنطقة بيت الأشول محافظة إب يظهر كتابة مزخرفة بطريقة مميزة جداً

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى