أقلام رصاص

عوائد النفط والغاز: مظاهر الإهدار وبؤر الفساد بقلم| مطهر العباسي

بقلم| مطهر العباسي

خلال الثلاثة العقود السابقة للحرب، لعب قطاع النفط دورًا بارزًا في تمويل الميزانية العامة للدولة وفي حجم الصادرات اليمنية إلى الخارج، وخلال الفترة 2000-2014، ساهمت عوائد تصدير النفط بحوالي 75% إلى 80% من الإيرادات العامة، كما شكلت قرابة 90% إلى 95% من الصادرات إلى الخارج. وخلال الفترة نفسها استمرت الحكومات المتعاقبة بالتمسك بسياسة دعم المشتقات النفطية وأصبحت تشكل حوالي 50% من حجم الإيرادات النفطية، وكان ذلك على حساب تمويل مشاريع التنمية في القطاعات المختلفة، ومثلت تلك السياسة أحد مظاهر إهدار المال العام، فذلك النوع من الدعم لم يكن موجهًا نحو الشرائح الفقيرة والمحتاجة، بل استفاد منه بدرجة كبيرة أصحاب الدخول المرتفعة من رجال الأعمال والتجار والمزارعين والشركات الصناعية وغيرهم، كما شابت عقود الشراكة والتشغيل مع الشركات الأجنبية أوجه فساد عدة، بَدْءًا من التفاوض، ومرورًا بالاستكشاف والتشغيل، وانتهاءً بالتصدير وتوريد العوائد إلى حسابات الحكومة. وللأسف فقد تم استنزاف النفط في معظم الحقول المكتشفة دون أن نلمس عوائده في التنمية.

ومن المفارقات، أن عوائد النفط منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي لم تساهم في بناء مشاريع تنموية واستراتيجية، بل إن معظم المشاريع الحيوية والمهمة تم تنفيذها بتمويلات من القروض والمنح الخارجية، سواءً في مجال بناء المحطات الكهربائية في الحديدة والمخا ومأرب أو في الطرق الرئيسية أو في المطارات والموانئ أو في المياه والصرف الصحي في المدن الرئيسية والثانوية، وحتى الجسور والأنفاق في العاصمة، فضلًا عن مشاريع التعليم والصحة والطرق الريفية وغيرها، وسجلات الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة، ومشروع الطرق الريفية، شاهدة على ذلك. وللإنصاف فقد ساهمت عوائد النفط في تغطية النفقات الجارية في الميزانية العامة وفي تمويل الإنفاق العسكري والأمني.

ويبقى التعويل على عوائد صادرات الغاز إذا تم معالجة الاختلالات القائمة في العقود والاتفاقيات المبرمة مع الشركات المشغلة.

الغاز، وما أدراك ما الغاز!

ومنذ نوفمبر 2009، بدأت اليمن بتصدير الغاز المسال وفقًا لاتفاقية شراكة، مع شركة توتال الفرنسية وشركة كوغاز الكورية وآخرين، حيث قدرت دراسات التشهيد أن الاحتياطي من الغاز الطبيعي يصل إلى قرابة 10 تريليون قدم مكعب. ولتنفيذ الاتفاقية تم إنشاء الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال لتمثل ائتلاف الشركاء، وسجلت في إحدى جزر الكاريبي بهدف ضمان ملاذ آمن لسرية الحسابات والبيانات عن الشركة، وكان ذلك مؤشرًا للنوايا السيئة وغير الشفافة لتوتال وشركائها في التعامل مع استغلال هذا المورد بعيدًا عن الشفافية والمساءلة. وتكفلت الشركة المشغلة بدفع تكاليف الاستثمار في المشروع بلغت حوالي 5.1 مليار دولار، أُنفقت في مد أنابيب الغاز من مارب إلى بلحاف، وبناء خزانات الغاز وميناء بلحاف لتصدير الغاز.

وحينها تحدثت وسائل الأعلام عن دخول اليمن نادي المصدِّرين للغاز في العالم، وأن مشروع تطوير الغاز يعدّ ثاني أكبر مشروع في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن مساهمة عوائد تصدير الغاز السنوية في الإيرادات العامة ظلت متواضعة، ولم تشكّل سوى 5% من إجمالي قيمة صادرات الغاز، وعليه ينطبق المثل التَّعِزيّ، “الجنازة كبيرة والميت عسيق”. وقد وضّح ذلك بدقة، تقريرُ الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة رقم 1631 وتاريخ 1 يونيو 2014، ويعتبر المصدر الأساسي لكل المعلومات الواردة في هذا المقال.

فخلال الفترة 2009-2013، بلغت كمية الصادرات من الغاز حوالي 1243 تريليون وحدة حرارية بريطانية، حيث كان متوسط سعر المليون وحدة حرارية بريطانية 11.7 دولار في السوق العالمي (حاليا 36 دولا)، أي إن قيمة الصادرات من الغاز قدرت بحوالي 14.5 مليار دولار، ولم تتجاوز عوائد وحصة الحكومة من هذا المبلغ الضخم سوى 787 مليون دولار، خلال تلك الفترة، ما يساوي 5% فقط من إجمالي قيمة صادرات الغاز، واستحوذت شركة توتال وزمرتها على 95% من عوائد الغاز، ويعود هذا الفارق الكبير بين الحصتين إلى بعض التفاصيل في اتفاقيات العقود بين الحكومة والشريك المشغل (توتال وشركائها)، وكما يقال “الشيطان يكمن بالتفاصيل”.

فوفقًا لتقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة المشار إليه، يعود تدني عوائد الحكومة من مبيعات الغاز الطبيعي المسال إلى بنود مجحفة تضمنتها الاتفاقية الموقعة مع الشركات المشغلة، ويمكن تحديدها في بندين رئيسيين:

الأول: احتساب سعر المليون وحدة حرارية بناءً على سعر بيع النفط الخام مع تقييد الحد الأقصى لسعر برميل النفط الخام عند 40 دولارًا، وهذا يعني إذا زاد سعر برميل النفط عن 40 دولارًا، فإن أسعار بيع المليون وحدة حرارية من الغاز تظل ثابتة، وبالتأكيد فإن هذه المعادلة الخبيثة والمجحفة وضعت بالاتفاقية، بتواطؤ واضح من جانب الفريق اليمني المفاوض آنذاك، وأن رائحة الفساد تزكم الأنوف منذ توقيع الاتفاقية وحتى يتم تعديلها. فقد تسبب ذلك البند بخسائر طائلة على الحكومة والشعب اليمني، فهذه المعادلة جعلت سعر المليون وحدة حرارية، يتراوح بين 2 و4 دولارات؛ بينما الأسعار العالمية كانت بين 9 و12 دولارًا، كما أن أسعار برميل النفط تراوحت بين 70 و120 دولارًا خلال تلك الفترة. فهذا البند جعل الشركة المشغلة تسترد قيمة الإنفاق الاستثماري وتستحوذ على حصة الحكومة من العوائد، وتحقق أرباحًا طائلة في فترة زمنية قصيرة، كما أكده تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة؛

الثاني: تحديد نسبة حصة الحكومة من صافي أرباح المشروع بعد استقطاع 50% من إجمالي الدخل كنفقات رأسمالية وتشغيل للشركة المشغلة، وفقًا للمعادلة الآتية: إذا كانت نسبة الإيرادات التراكمية على النفقات التراكمية أقل من أو تساوي الواحد الصحيح، فإن حصة الحكومة من صافي الأرباح تكون 25%، وحصة المشغل 75%، وتتزايد حصة الحكومة إذا كانت النتيجة أكبر من الواحد الصحيح. والخبث في هذه المعادلة أن الشركة المشغلة استطاعت خلال تلك الفترة أن تبقي النتيجة أقل من الواحد، وذلك بتضخيم النفقات “المقام”، وتقليص الإيرادات “البسط”، ويمكنها أن تستمر في تلك اللعبة القذرة حتى نهاية فترة العقد للمشروع.

ومن البندين السابقين، ووفقًا لتقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وفي ضوء بلوغ قيمة صادرات الغاز 14.5 مليار دولار، فيمكن تحديد كيفية توزيعها كما يلي:

أ. بالنسبة لشركة توتال وشركائها:

– استطاعوا استرداد قيمة الإنفاق الاستثماري والبالغ 5.1 مليار دولار خلال الفترة المذكورة؛

– حققوا أرباحًا طائلة تتمثل في الاستحواذ على حصة الحكومة والمتمثل بفوارق الأسعار، بمبلغ قدره 6.3 مليار دولار؛

– حققوا أرباحًا إضافية بلغت 2.3 مليار دولار؛

– حصلت الحكومة فقط على حصتها من عوائد تصدير الغاز مبلغ 787 مليون دولار. يا لها من قسمة ضيزى، ويا له من فساد في حق الدولة والمجتمع!

ووفقًا للتقرير، فإن الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالحكومة بلغت 8.5 مليار دولار، يمكن تبويبها كما يلي:

* 6.3 مليار دولار فوارق أسعار استولى عليها “توتال وشركاءها”؛

* 2.2 مليار دولار أضرار وخسائر الحكومة جراء إنتاج وتصدير الغاز، وتشمل خسائر الحكومة من رسوم استخدامات منشآت المنبع، وقيمة الغاز البترولي المسال المتسرب إلى منشآت بلحاف، قيمة الغاز الطبيعي المستخدم في بلحاف مجانًا طبقًا للأسعار المقيدة بالعقود، وقيمة النفط المفقود.

وإجمالًا، يمكن القول إن ثروة النفط تم إهدارها خلال العقود الماضية وتراجع حجم الاحتياطي من النفط إلى مستويات متدنية دون أن يلمس الناس خيرات هذا المورد، وجاءت الحرب لتصيب قطاع النفط بالشلل؛ فدُوَل التحالف تفرض حصارًا مطبقًا على التوسع بالإنتاج والتصدير، وإذا تمت شحنات تصدير محدودة فيستولي على عائداتها مسؤولو المحافظات المنتجة، وتُحرم منها خزينة الدولة وتُمنع منافعها عن عموم الناس.

وبالنسبة للغاز، فإن الحكومة المعنية به تقع عليها مسؤولية تأريخية في الحفاظ على هذا المورد الحيوي والسيادي، وأمامها خيارات محدودة، فوفقًا للمعطيات الواردة في تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، فإن الجهة المشغلة (توتال وشركاءها) قد استردّوا قيمة استثماراتهم وحققوا أرباحًا طائلة على حساب حصة الحكومة، وأرباح إضافية أخرى، وعلى الحكومة اتخاذ قرارات جريئة وصارمة لبسط سيادة الدولة على المشروع، واستغلال ما تبقى من احتياطي الغاز عبر شركة حكومية خالصة ومخلصة، وقد يكون هذا الخيار صعب التنفيذ في ظل الظروف الراهنة، وفي ضوء الاتفاقيات الموقعة وقواعد التحكيم الدولي، ولذلك أمام الحكومة واجب وطني يتمثل في ضرورة مراجعة البنود السيئة التي تضمنتها اتفاقيات التشغيل مع الشركاء “توتال وشركائها”، ويشمل ذلك:

1 . مراجعة قواعد وآليات تسعير الغاز وفقًا للأسعار العالمية، والتي بلغت حاليًّا قرابة 36 دولارًا للمليون وحدة حرارية، أسوة بالدول المصدرة للغاز، قطر مثالًا.

2. مراجعة معادلة تحديد حصة الحكومة من الأرباح وإلغاء تلك المعادلة الخبيثة، وإعادة صياغة البند الخاص بها، وحان الوقت لوضعها بالشكل السليم؛ بحيث تكون حصة الحكومة 75% وحصة المشغل 25%، وتتناقص حصة المشغل حتى نهاية عقد المشروع، وذلك لتعويض ما سلبه المشغل من حصة الحكومة من الأرباح دون وجه حق. إن مراجعة الاتفاقية وبنودها سبق أن طالبت به الحكومة قبل اندلاع الحرب وحصل تقدم ملموس، وخاصة مع الشركة الكورية؛ بينما ظلت شركة توتال تتلاعب بمواقفها، ولم تفِ بالتزاماتها كما فعلت شريكتها.

3. نتيجة لظروف الحرب وإعلان القوة القاهرة، توقفت الشركة المشغلة “توتال وشركاءها” عن التصدير، وبالتأكيد عند إعادة التشغيل والتصدير ستطالب الشركة بتعويضات عن الخسائر التي لحقت بها، وهنا يجب على الحكومة أن تتخذ موقفًا شجاعًا بالمطالبة بفوارق الأسعار التي استولت عليها الشركة خلال خمس سنوات من الإنتاج والتصدير، فهذه حقوق ثابتة ولا تلغى بالتقادم.

ومن الدروس المستفادة من هذه الاتفاقيات والمشروعات المنفذة مع الشريك الخارجي، أن أصل الداء من أبناء البلد الذين كانوا في موقع المسؤولية وداهنوا وارتهنوا في وضع بنود لغرض امتصاص دم اليمنيين وسرقة حقوقهم وحقوق الأجيال القادمة، وبذلك يكونون قد خانوا الله وخانوا وطنهم وشعبهم، ولا بد من وضعهم تحت المساءلة والمحاسبة عاجلًا أو آجلًا، بحسب خيوط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى