أقلام رصاص

الحرب اليمنيّة والحرب السوريّة.. قواسم مشتركة بقلم| ليليان معروف

بقلم| ليليان معروف

قال رسول الله (ص): “اللهم بارك بشامنا ويمننا”.

هناك الكثير ممّا يجمع بين سوريا واليمن، فحتى الحرب التي شُنت على البلدين الشقيقين كانت متشابهة في مفاصل كثيرة، سواء بمسبّبيها وداعميها أو نتائجها، فقد اجتمعت الدول العربية على سوريا في العام 2011، وأعلنت اصطفافها إلى جانب المشروع الَّذي يهدف إلى تدميرها. وقد تلا ذلك التآمر على اليمن الشقيق في العام 2015. وكان من نتائج الحربين تدمير الاقتصاد والبنى التحتية، وتشريد الملايين من المواطنين وتهجيرهم، إضافةً إلى سرقة النفط وتهريب الآثار.

ولكن أيضاً، وفي الحالتين، وبعد كلِّ هذا التآمر والتخريب والقتل والحصار، استطاع أصحاب الحقّ المظلومون في الشام واليمن دحر الظالم وتصفية مشاريعه الكبرى في المنطقة، وها هي السّاحة العربية والإقليمية تشهد تغيرات دولية وتحركات عربية – عربية وعربية – إيرانية تشي بقرب حلول هذه الأزمات التي شارك في صناعتها بعض العرب لحساب عدو الأمة.

وقبل إعلان النّصر المحتوم والمكتوب بدماء شهداء سوريا واليمن ومن معهم من الحلفاء والأصدقاء، نستعرض ما جنته الحروب على بلدينا وأهلنا.

تدمير مدروس للاقتصاد السوري واليمني
تحدّث رئيس اتحاد غرف الصناعة في سوريا فارس الشهابي، في المقالة السّابقة، عن خسائر الصناعة السّورية نتيجة الحرب، والتي بلغت 133 ألف منشأة صناعية وحرفية، منها 66 ألفاً في حلب فقط، وتدمير المناطق الصناعية بشكل تامّ، بعد نهب ما يمكن نهبه، وكان منها تدمير منطقتي الليرمون والشقيف وغيرهما، إذ تمت سرقتهما ونقل معظم خطوط الإنتاج إلى الداخل التركي.

وفي اليمن، مثل سوريا، حصل تدمير ممنهج للاقتصاد، وأكّد سفير اليمن لدى سوريا عبد الله صبري أنَّ الحرب العدوانية على اليمن من أبشع الحروب وأقذرها، إذ تعمّد العدوان السعودي الأميركي تدمير الاقتصاد اليمني على نحو ممنهج وشامل، فقد استهدفت الغارات الجوية البنية التحتية في مختلف مناطق البلاد، مثل محطات الكهرباء والمصانع والطرقات والمدارس والمستشفيات ومراكز الاتصالات.

وبالتوازي، فرض التحالف حصاراً بحرياً وجوياً بهدف تجويع الشعب اليمني وتركيعه، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن، إلى درجة أنَّ الأمم المتحدة وصفت الحالة فيه بالكارثة الإنسانية الأسوأ عالمياً، مضيفاً: “رغم ذلك، واصل التحالف استهداف الاقتصاد الوطني، إذ اتّجه قبل نحو 4 سنوات إلى نقل وظائف البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، ما حال دون تدفّق الإيرادات المحدودة أصلاً، وأدى إلى عجز الحكومة عن دفع مرتبات الموظفين حتى اليوم، وباتت غالبية اليمنيين تحت خط الفقر والجوع.

الاستهداف الممنهج لسوريا واليمن

أكَّد الكاتب اليمني والباحث في الشؤون العسكرية، عبد الغني علي الزبيدي، أنَّ سوريا هي قلب العروبة النابض، ولها دور مؤثّر وكبير تجاه القضايا العربية عموماً، وتجاه القضية الفلسطينية تحديداً، وبالتالي لم يكن استهداف سوريا أمراً اعتباطياً، بل كان مخطّطاً مدروساً من جهات خارجية استخدمت في مشروعها بعض شرائح المجتمع السوري، وعشرات الآلاف من الإرهابيين التكفيريين الأجانب، وكلّه تحت عنوان “الثورة” المزعومة.

وأشار الباحث اليمني إلى زيارة قام بها كولن باول، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، إلى دمشق، إذ التقى الرئيس بشار الأسد، وهدَّده بأنَّ سوريا، في حال لم تُقدم على إخراج المنظمات الفلسطينية من أراضيها، وتنهي تحالفها مع إيران، وتتوقف عن دعم حزب الله وفصائل المقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان، وما لم تؤيّد خطة “السلام” وفق المنظور الأميركي، ستجد نفسها في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية.

وغنيّ عن القول إنّ باول سمع كلاماً لم يعجبه في دمشق. وقد أُعيد هذا التحذير على مسامع الرئيس بشار الأسد في العام 2012، على لسان مسؤول عربي زار دمشق وقتها، عرض على الرئيس السوري العرض نفسه، مع مغريات كثيرة، كان من بينها إيقاف “الحراك” السوري في الحال، والتوق إلى الحديث عن “ثورة” في البلاد. وقد سمع المسؤول العربي الجواب نفسه الذي سمعه باول قبل سنوات.

وكان أصحاب مشروع تغيير الشرق الأوسط الذي يتماهى مع هدف تقوية الكيان الصهيوني وإضعاف جوار فلسطين، يرون أنّ تدمير سوريا سيشتّت التنظيمات الفلسطينية وفصائل المقاومة ويضعفها، وذلك عن طريق الحرب بالوكالة، وبالأدوات التكفيرية والعميلة، من دون أن تتكلّف واشنطن القيام بحرب مباشرة على سوريا.

ولم يكن المشروع في اليمن يختلف في جوهره عن المشروع في سوريا، وخصوصاً أنَّ اليمنيين قاموا بثورة على النظام الذي كان مرتبطاً إلى حد كبير بالنظام السعودي. وقد وجدت السعودية، ومن خلفها أميركا والكيان الصهيوني، أنّ قيام نظام مقاوم ومتمسّك بالقضايا العربية في اليمن يشكل خطراً كبيراً عليها.

لهذا، كانت السّعودية تسعى لوأد مشروع نهضة الشعب اليمني، وتدمير أيّ أفق لمشروع عربي مقاوم في منطقة شبه الجزيرة العربية، تماماً كما كانت، وقطر، رأس حربة في مشروع تدمير سوريا. وفي الحالتين، كان إنهاء القضية الفلسطينية وإجهاض الحلم العربي بالتحرر والنهضة هدفاً واحداً وواضحاً، وخصوصاً بعد أن رفع عبد الملك الحوثي في اليمن شعارات المقاومة والتحرر.

سرقة نفطي البلدين
عملت أميركا في سوريا عن طريق أذرعها الممثّلة بـ”قوات سوريا الديمقراطية” على سرقة النفط السوري، إذ تسيطر مع مرتزقتها على حقول النفط شرق البلاد، وتقوم بنقله ليلاً إلى بلدة الريحانية التركية، لتصدّر قسماً منه، ويباع القسم الآخر في الداخل التركي. وتضمّ المنطقة المحتلة أميركا 90% من النفط السوري المنهوب الذي كان تنظيم “داعش” الإرهابي يستخدمه لتمويل جنوده، تحت نظر الأميركي وبمساعدته.

وفي اليمن أيضاً، بيّن السفير اليمني عبد الله صبري أنَّ النفط اليمني كان هدفاً للعدوان والمرتزقة، فقد عملوا منذ الأيام الأولى للحرب على السيطرة على مواقع إنتاج النفط وتكريره وتصديره، من مأرب إلى شبوة وحضرموت، ثم عدن، ورأينا كيف كانوا لا يزالون في حالة دفاع مستميت عما تبقى من محافظة مأرب الغنية بالنفط.

وأسف عبد الله لتعاملهم مع ثروة اليمن، من النفط والغاز، كأنَّها “ملكية خاصة لأمراء الحرب وشيوخ الارتزاق من الإخوان المسلمين وغيرهم”، إذ قاموا بتوزيع هذه الثروة وبيعها، كما اللصوص، مبيناً أنَّ النتيجة كانت تضخّم ثرواتهم وأرصدتهم البنكية على حساب معيشة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، حتى في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، والتي تكابد المعاناة بأسوأ مما هو الحال عليه في المناطق التابعة لحكومة صنعاء المحاصرة.

ونتيجة لهذا الفساد الكبير، تدهورت العملة اليمنية بشكل غير مسبوق، حتى أصبح الدولار الواحد في تلك المناطق يساوي 1700 ريال، فيما سعر الصرف في صنعاء يساوي 600 ريال من العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي.

وأضاف السفير اليمني أن بعضاً من عائدات النفط تذهب لمصلحة حكومة العميل عبد ربه منصور هادي، إذ يتم وضعها في حساب خاص في البنك الأهلي السعودي. وبدلاً من صرف هذه الإيرادات لمصلحة مرتبات موظفي الدولة، تذهب النسبة الأكبر منها إلى جيوب وأرصدة الفاسدين الموظفين لدى الحكومة القابع رئيسها وكلّ مسؤوليها في فنادق الرياض. ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي يعترف بهؤلاء كممثلين للشعب اليمني للأسف.

العودة العربية إلى سوريا واليمن
سمعنا مؤخراً مطالبات عربية بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، بموافقة الأغلبية العربية، باستثناء قطر، كما سجلت دمشق عدة أحداث استثنائية، مثل زيارة وزير خارجية الإمارات لسوريا منذ شهر تقريباً، ورفع العلم السوري في كأس العرب في قطر، ممولة الإرهاب على سوريا، وعزف وغناء النشيد السوري الرسمي، إضافةً إلى استئناف عمل بعض السفارات العربية في دمشق، وتجهيز بعضها الآخر للعودة قريباً. يحدث هذا كلّه بعد تضحيات جيشها وشعبها وتحقيقهم النصر المبين على المشروع الاستعماري الَّذي شارك بعض هؤلاء العرب في كتابته ومحاولات فرضه بالنار والحديد.

وعن العودة العربية إلى اليمن، ذكر السفير عبد الله صبري أن اليمن يرحب بالانفتاح العربي على سوريا، ويعتبره نصراً لمحور المقاومة بشكل عام، مشدداً على أنّ من المبكر الحديث عن عودة العلاقات اليمنية مع دول التحالف العربية، إذ لا يزال العدوان والحصار قائمين، وثمة تصعيد عسكري أيضاً على عتبة العام الثامن من الحرب، وليس معروفاً الوقت الذي يحتاجه الأعراب حتى يستوعبوا أن اليمن عصيّ على الانكسار.

اليمنيون في عيون السّوريين.. والسّوريون في عيون اليمنيين
أكَّد السفير اليمني في سوريا عبد الله صبري أنَّ العلاقة بين اليمن وسوريا ذات عمق تاريخي. ورغم الأحداث الأليمة التي شهدناها في البلدين، فإنَّ هذه العلاقة ظلت راسخة شعبياً وحكومياً. ويحظى اليمن واليمنيون بتقدير كبير لدى السوريين الذين لا يخفون مشاعرهم الأصيلة والنبيلة تجاه اليمن، وكذلك هو شعور اليمنيين نحو سوريا، فالمعاناة المشتركة والعدو المشترك للبلدين والشعبين ربطهما بمصير واحد، عنوانه الصمود وخاتمته النصر، إن شاء الله. ولن ينسى الشعب اليمني هذه الوقفة العروبية لسوريا ورئيسها بشار الأسد، إذ إنَّ دمشق هي العاصمة العربية الوحيدة التي حافظت على علاقات رسمية ودبلوماسية مع صنعاء وحكومة الإنقاذ فيها.

وأوضح الباحث في الشؤون العسكرية، عبد الغني الزبيدي، أن سوريا في قلوب اليمنيين، فهم لم يروا من سوريا إلا الخير والدعم لكل القضايا العادلة، إذ كانت من أول المؤيدين للوحدة اليمنية، ومن أوائل المنددين بالعدوان على اليمن، كما أنها اعتبرت أنَّ ما قام به الشعب اليمني ثورة، واعترفت بالنظام الجديد، وفتحت سفارة لليمن، واستقبلت سفيراً لحكومة صنعاء.

على المستوى العاطفي، يعتقد الأستاذ عبد الغني الزبيدي أنَّ غالبية اليمنيين، حتى الذين وقفوا مع دول العدوان، ينظرون إلى سوريا باعتبارها بلداً عربياً عزيزاً يتعرَّض للعدوان وللهمجية، وتمنى أن يعين الله الشعب السوري للخروج من قبضة هذه الجماعات التكفيرية وداعميها، وأن تعود لسوريا مكانتها، معتبراً أنَّها هي النبض الحيوي لكلّ المنطقة، فإذا تعافت سيتعافى العرب، واذا تضررت سيتضرر العرب، وهذا ما حدث منذ العام 2011 إلى اليوم، إذ لم يرَ العالم العربي شيئاً جميلاً في غياب سوريا، لكن الأمل اليوم بات قريباً، وها هم العرب يتسابقون إلى دمشق، لأنهم يعرفون أن لا عروبة من دون سوريا، ولا يوجد تضامن عربي من دون سوريا، ونحن نعرف أن لا تحرير لفلسطين إلا بسوريا، سائلاً الله للسوريين التوفيق والسلامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى