تقارير وتحقيقات

قشة سقطرى، وظهر البعير، وجمل خيبة الأمل

(الوطني – المحرر السياسي/ متابعات)

لعل من أكثر ما يستحضره الممتحن بالمكاره من آيات التنزيل قوله (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)؛ فتعينه على احتمال ما يكره مهما عظم عليه ثقله. وما يعانيه شعبنا طوال السنوات الخمس الماضية في مناطق سيطرة التحالف السعودي الإماراتي، بوجه خاص، يمثل جانباً شديد الإيلام من تلك المكاره؛ ومنها سلسلة الأحداث والوقائع الجارية هناك منذ اتفاق الرياض، حتى ما شهدته سقطرى خلال الأيام الأخيرة من تطور بدا صادماً كالقشة القاصمة ظهر بعير المتعلقين بقشة الشرعية وذريعتها وتحالف دعمها.

طغت أصداء ذلك على كل ما عداه منذ يوم الجمعة الماضي حتى ذيوع نبأ استهداف الرياض فجر أمس الثلاثاء؛ بل ظلت تتردد بعده بأشكال مختلفة تعيد في معظمها صورة المثل المصري (خيبة الأمل راكبة جمل)، بما فيها من ظُرف وبلاغة ساخرة ومرارة، إلى ذهن المتابع المعني -على نحوٍ أخص- بمكاره الجنوب التي لا تنتهي ولا تزداد وطأتها عليه مع الأيام إلا شدةً وإيلاما.

أخبار تلك الأحداث وتطوراتها والتقارير الصحفية التي تضمنتها ورصدت أصداءها في آراء عديد من أعلام النخبة اليمنية المؤيدة لهادي وشرعيته وتحالف دعمها المزعوم، وما صدر عنهم من ردود على إخراج السعودية محافظة سقطرى من يد شرعية هادي إلى شرعية الانتقالي، لا يتجلى فيها شيء أوضح من الخيبة في أكثر صورها ابتذالاً لدى معظم أولئك الذين نحَّوا جانباً كل حقائق الوطنية وبدهيات مباديها وتجاهلوها عمداً يوم أيدوا تحالف السعودية وعدوانها، مهللين مستبشرين، لا لشيء سوى إرضاء أدنى ما في الإنسان من الضعف والنقائص، وأحط ما في السياسة من الوصولية والرخص المتجسد في تبرير قبح الوسيلة بغاية هي في حقيقتها أقبح، رغم كل محاولات تجميلها.

مؤيدو العدوان: الخيبة والدونية وغدر التحالف

“يشعر كثير من اليمنيين أن حكومتهم الشرعية خذلتهم لأنها سلمت زمام أمرها للتحالف العربي بقيادة السعودية فراح يوجه لها صفعات غدر عديدة”.

بهذا التمهيد استهلت وكالة (ديبريفر) يوم الأحد الماضي تقريرها الذي يمضي موضحاً استهلاله ذاك بالقول:

“جاء إسقاط المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً لمحافظة أرخبيل سقطرى بالقوة، مساء الجمعة الفائتة، وإعلانه إدارته الذاتية لها أمس السبت، وطرده لمحافظها المعين من قبل الحكومة الشرعية، بمثابة تعزيز لقناعات مسبقة بين أوساط النخب اليمنية الموالية للحكومة المعترف بها دولياً بأن هذه الأخيرة لم يعد بالإمكان التعويل عليها إطلاقاً، في حين حملت “نخب يمنية” الرئيس عبدربه منصور هادي كامل المسؤولية عن ما حصل في البلد من انقلابات ودمار طيلة السنوات الست الفائتة”.

وكان الجامع بين ما رصده التقرير من انعكاسات ذلك، ومنها “ردود أفعال مسؤولين وإعلاميين وسياسيين يمنيين من مختلف التوجهات” ومنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، هو الحديث عن “خيبة أمل كبيرة”.

فهذا البرلماني الإصلاحي، شوقي القاضي، يحمل رئيسه “الشرعي” هادي، مسؤولية “ما يحدث في اليمن من كوارث ودمار ومهددات لتمزيق نسيجه وأراضيه”؛ متهماً تحالف السعودية بنقض العهد و(الغدر) باليمنيين.

وذاك رئيس تحرير صحيفة “إيلاف”، محمد الخامري، يجزم: “ما لم نتلاف الأمر ونلحق أنفسنا ويتم نقل صلاحيات الرئيس هادي إلى نائب جديد يتم التوافق عليه فسنخسر أنفسنا قتلاً وتنكيلاً، وسنخسر بلادنا دماراً وتفتيتا وسنضيّع ما بقي لنا من محافظات وسلطة لصالح دول التحالف”. ويهاجم رئيسه “الشرعي”: “هادي لم يكن يوماً مؤهلا للرئاسة… وكل يوم يمر تحت رئاسته يثبت أنه مجرد (أداة يستخدمها الغير لتدمير اليمن)، وأنه شخص فاشل”.

وتلك الناشطة النوبلية تصف تخوِّن ولي أمرها “الشرعي” مذكرةً بقولها عنه قبل أعوام أنه “مجرد أداة في يد المحتل السعودي الإماراتي لشرعنة احتلالهم للبلاد والوصاية عليها وتقسيمها إلى أوصال”؛ لتضيف توكل كرمان اليوم: “أقل ما يقال عنه خائن لمصلحة الوطن العليا”. وبشأن سقطرى تكتفي بما تطرح أيضاً منذ أعوام عن الدور السعودي الإماراتي المشبوه في اليمن، ومن بوابة دعم الحكومة الشرعية فيه.

وفي سياق آخر، ينقل موقع الخبر اليمني عن كرمان قولها: “حتى لو كان هادي ميتا -ومن يدري لعله كذلك الآن- فسوف تبقي السعودية الأمر سريا لمدة عامين حتى يكمل لها وهو ميت شرعنة إكمال مشروعها في احتلال البلاد وتقسيمها”؛ مؤكدةً أن (الإمارات تنفذ أجندة السعودية لا أكثر)، في حرب اليمن.

وذلك الصحفي عبد القوي شعلان ينقل عنه تقرير (ديبريفر) اكتشافه “أن المشكلة ليست في السعودية فقط، لأن لها مصالحها وأهدافها الخبيثة في اليمن، بقدر ما هي في ممثلي الشرعية، الذين وجدت فيهم الرياض جماعة سذج قابلين للبيع والشراء، وليس لديهم كرامة ولا اعتزاز”.

أما المحامي والناشط الحقوقي، ياسر المليكي، فينبه -محذراً آسفاً- إلى حقيقة أن “المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين سيتمسكون بسلطتهم، خصوصاً في مقاومتها السعودية وسينحاز كثيرون من أنصار الشرعية إلى جانب الحوثيين في قتال السعودية والإمارات”؛ مردفاً: “سيحدث هذا وأكثر، أما التمسك بهادي هو عبث لا أكثر”.

وكما ذهب التقرير، فقد بدت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً واقعة في مأزق حقيقي مساء الجمعة وهي تكرر بيانات الاستنكار والتنديد و”رفضها القاطع” و”دعواتها الاستجدائية” حول ما يفعله الانتقالي “المدعوم إماراتياً” في المحافظات اليمنية الجنوبية التي تسيطر عليها “صورياً”؛ في حين “أن أبوظبي والرياض تتقاسمان السيطرة الفعلية هناك وتجران القوات الحكومية إلى “محارق موت” بغير حول ولا قوة. وفي مساء الأحد، “قدم وزير الصناعة والتجارة في الحكومة اليمنية، محمد الميتمي، استقالته من منصبه احتجاجاً على غياب موقف حكومي من ممارسات التحالف في اليمن وسعيه لتقسيمه”.

ودعا البرلماني الإصلاحي أيضاً، علي عشال، إلى صحوة إزاء تآمر التحالف؛ حيث أورد الخبر اليمني عنه قوله مذكراً كذلك: منذ عام قلناها بوضوح عن (انحراف في التحالف).. بينما اكتشف اليوم أن هذا الانحراف يوشك “أن يقتلع عمود خيمتنا والأوتاد”؛ متسائلاً: (أَلَمْ يَئِنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بالمشروع الوطني أن تصحو عقولهم لحجم التآمر).

وبدفعه مليشيا الانتقالي إلى الإمعان في إذلال “الجيش الوطني والحكومة الشرعية” بتمكينه يوم الجمعة من إسقاط المقرات الأمنية والمعسكرات واستحداث نقاط تفتيش في سقطرى وعلى مداخل عاصمتها، ثم السيطرة التامة عليها، يكون التحالف السعودي قد انكشف لأوسع قطاع من مؤيديه السياسيين والمثقفين المخلصين له الولاء الذين ضحوا في سبيله حتى بوطنيتهم؛ فظهر لهم أخيراً على حقيقته: “غَدَّاراً” يطعن رجاله من الخلف.

تكاد تلمس تلك الخيبة بوضوح لافت في قول المحافظ ومرارة شكواه: “تعرّضنا ومعنا أهالي سقطرى لخذلان وصمت مريب ممن ننتظر منهم النصرة والمؤازرة والوقوف معنا”.

وبذات القدر من الوضوح والابتذال تجدها في بيان الحكومة “الشرعية” وشكواها من “انقلاب مكتمل الأركان قوّض مؤسسات الدولة” في الجزيرة، وفي دعوتها تحالف دعمها إلى “إلزام ما يسمى المجلس الانتقالي بإيقاف العبث والفوضى والاعتداء”، وفي زعم وزير خارجيتها أن اتفاق الرياض “ليس لشرعنة استمرار التمرد على الدولة”. كما تراها في استقالة الوزير محمد الميتمي وتسمعها من سطور حيثياتها.

ومع استمرار حالة الانفصام هذه لدى مؤيدي العدوان المتخبطين اليوم جهاراً نهارا، نجد مستشار وزير الإعلام مختار الرحبي، على تويتر، يشعر بالخذلان من السعودية لسماحها بسيطرة الانتقالي على المحافظة ومقرات السيادة فيها، على بعد “أمتار” من قواتها التي جاءت لدعم الشرعية وحماية مؤسسات الدولة، “وفي أول امتحان لها وقفت موقف الحياد وخذلت الشرعية ومؤسسات الدولة التي تُنتهك من عصابات الانتقالي”، لافتاً بجرأة مثيرة إلى أن “هناك ما يزيد عن ألف جندي من القوات السعودية، وعشرات المدرعات، والأسلحة الثقيلة في سقطرى”.

أما خيارات الحكومة “الشرعية”، فيؤكد الكاتب والباحث السياسي اليمني، عدنان هاشم، كونها “محدودة”، موضحاً لموقع عربي21 أنها غير قادرة على مواجهة حلفاء الإمارات، ولا تستطيع وقف العمليات العسكرية ضد الحوثيين وإخراج التحالف. وهو عين ما أكده رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات، أنور الخضري، بقوله أنها أمام خيارين: “إما العودة للوطن وإنهاء دور التحالف؛ أو الاستسلام”.

السعودية “رأس الحربة التي تدير الإمارات ومليشياتها”

على الجانب الآخر، كان الأمين العام المساعد لمجلس الإنقاذ الوطني اليمني الجنوبي، الشيخ عيسى بن ياقوت، قد أكد أن هناك تبادل أدوار بين السعودية والإمارات في سياق التآمر على سقطرى، قبيل التطورات التي شهدتها الجزيرة يوم الجمعة الفائت.

وفي حين عزا موقع الجزيرة نت لاحقاً، يوم الأحد الماضي، إلى مسؤولين يمنيين تحذيرهم من “مخطط” لإسقاط محافظات يمنية أخر بيد المجلس الانتقالي، وتزايد نفوذ السعودية والإمارات اللتين باتتا “تتقاسمان السيطرة” على المحافظات “المحررة” من بلادنا، لفت رئيس المرجعية الإشرافية لمجلس الإنقاذ الوطني، الشيخ علي سالم الحريزي، إلى أن أحداث سقطرى كشفت ما يخفيه التحالف وأظهرت “الخيط الأبيض من الخيط الأسود” في كونه “احتلالا”؛ وبيَّن أن قوات الواجب السعودية أتت إلى سقطرى لتساعد الاحتلال الإماراتي للجزيرة، مؤكداً إن السعودية هي “رأس الحربة التي تدير الإمارات ومليشياتها”؛ ومن العيب أن نستنجد بمحتل.

وقال المناضل الشيخ الحريزي أن الأرخبيل لا يعني أبناء سقطرى والمهرة وحدهم، فهو محافظة يمنية ومسؤولية تحريرها تقع على عاتق أحرار اليمن وأبنائه كافة، متوعداً الإمارات والسعودية بدفع الثمن غاليا.

وبينما السفير السعودي في اليمن يغرد يوم الاثنين، كما نقل موقع فرانس24، معلنا من الرياض “اتفاق الحكومة اليمنية الشرعية مع القوات الانفصالية جنوب البلاد على وقف إطلاق النار وبدء لجان مشتركة لبحث تطبيق اتفاق السلام” الموقع فيها؛ كان اليمن الصامد في وجه التحالف يهيئ صواريخه ومسيَّراته التي استهدفت خلال ساعات فجر الثلاثاء مواقع عسكرية حساسة في الرياض نفسها وفي غيرها من مناطق العمق السعودي رداً في حقيقته على كل شيء، من استمرار العدوان والحصار الخانق، مروراً بتصعيد التحالف مؤخراً، حتى عبثه الخطر في جنوب الجمهورية اليمنية وشرقها وأرخبيلها السقطري.

أصالة المثقف، بين مباحات السياسة ومحظورات الوطنية

بيد أن من أصداء تلك التطورات المكللة بقشة سقطرى، ما خلا من الخيبة المُلمَع إليها، دون المرارة النبيلة؛ لصدوره عن مثقف لم يفقد التمييز يوماً بين حدود السياسة ومباحاتها وحدود الوطنية ومحظوراتها.

فقد حفل مقال الأستاذ محمود ياسين، المنشور اليوم الأربعاء 24يونيو/حزيران 2020، على صفحته في موقع فيسبوك، بالإدانة المطلقة لجالبي التحالف ومؤيديه على اختلاف درجاتهم، والقطيعة النهائية معهم ومع الصمت على مسلكهم وكل رغبة سابقة في استبقاء خيط وصل ورجاء معهم على أمل أن يستيقظوا؛ مخاطباً إياهم بما لا يخفى من موجِع الغضب:

“الإماراتي والسعودي جريمتكم أولاً وثانياً، استدعيتموهم وقبضتم الثمن. لكم المنتجعات والشقق الفاخرة، ومقابل ترابكم الوطني يا أقذر كائنات الأرض.

أنتم عار على السياسة والوطنية والتدخلات وحكومات المنافي عبر التاريخ، أنتم عار حتى على العملاء، وأنتم أكثر انحطاطاً حتى من تسمية “مرتزقة”… ونحن إذ نصمت على خيانتكم الرخيصة ودوركم القذر سنكون فقط “أذناب الأذناب”.

“لا مقاربات حاذقة لدي ولا حذاقة ولا رغبة في استبقاء خيط تواصل ورجاء على أمل أن تستيقظوا يوماً وتعودون، فالعاهرة لا تعود إلى البيت. جميعكم، الإصلاحي منكم والمؤتمري، اليساري والسلفي، العسكري والقبيلي والصحفي والناشط…

نعرف كل شيء، وتفصحون عن كل شيء، تملقكم ودناءتكم وصراعاتكم الخسيسة، الرواتب والاعتمادات، بيع السلاح والذخائر والمناصب وماء الوجه ومحتفظين في كل مرة بالإعلاء من أنفسكم عبر تأكيد العداء للحوثي، ذلك الإعلان المستمر الذي تضمنون به وهم وزيف المحارب، لستم أعداء للحوثي بقدر ما أنكم عبيد لنعمة الخليجي الذي استخدم بؤسكم وافتقاركم للشرف في انتهاك جسد اليمني وأرضه وتاريخه وجعله أضحوكة ومبعث شفقة… من جملة دناءاتكم يمكن لأي يمني إدراك سبب الصلف والاحتقار في لهجة الإماراتيين والسعوديين تجاهنا معتقدين أن كل يمني هو شرعية من فصيلتكم… والآن يتحدث بعضكم عن الأتراك وبمزاج سافل لا حدود لسفالته”.

ليختم خطابه الهاتك ستر الادعاء، قائلاً: “أنتم العدو الذي جردنا من الخندق وحال بيننا وبين العدو، أنتم مذلتنا التاريخية واليد الآثمة المتسولة الرخيصة التي فتحت البوابة ليلاً للغزاة”.

لكن المستحكِم في تلك الأنفس يظل مرضاً لا شفاء منه كما يبدو، وعقدةً لا حل لها، وانحداراً لا ارتفاع بعده. وعسى..

The post قشة سقطرى، وظهر البعير، وجمل خيبة الأمل .. موقع الوطني الرسمي لمجلس الانقاذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى