تقارير وتحقيقات

الانتقالي إلى التطبيع: “وان جا امهيودي، مرحبا به مرتين”

(الوطني – المحرر السياسي/متابعات)

نشأ خلال السنوات الأخيرة اعتقاد مستجد إلى حد ما لدى الكثيرين في بعض المجتمعات العربية التي درجت على اعتبار إسرائيل كياناً طارئاً على منطقتها مغتصباً لجزء من أرضها باحتلاله فلسطين، واعتبار التطبيع معه بالتالي خيانة وطنية وقومية. ومفاد هذا الاعتقاد أن ما تريده أمريكا وإسرائيل واقع لا محالة مهما رفضناه وقاومناه؛ فخير لنا أن نتكيف معه ونقبل به راضين بدلاً من أن نضطر إلى قبوله راغمين.

ولسنا هنا بصدد مناقشة خطأ الاعتقاد المذكور ولا أسباب ازدياده اتساعاً وترسخاً، ربما، بين بعض النخب العربية الأصيل منها أو الطارئ على الواقع السياسي العربي. لكننا نرصد فقط متابعين آخر تجلياته في بلادنا والتي ظهرت للعلن منذ أيام بنشر صحيفة إسرائيلية تقريراً عن تواصل غير علني مع صديق سري جديد كسبته تل أبيب في أقاصي محيطها العربي هو المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً الذي وصفته الصحيفة الإسرائيلية المقربة من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ(الحكومة الجديدة) و(الدولة الجديدة) أو(دولة الحكم الذاتي الجديد) في جنوب اليمن.

وقد تناقلت الخبر بالطبع وسائل الإعلام المختلفة محلياً وعربياً، وتناوله كثير منها في تحليلاته وتقاريره الصحفية. من ذلك ما أورده موقع صحيفة القدس العربي يوم الأحد الفائت، نقلاً عما نشرته يومها صحيفة “يسرائيل هيوم” بعنوان “الصديق السري الجديد لإسرائيل في اليمن”، من أن إسرائيل تجري مداولات سرية بينها وبين الحكومة الجديدة في جنوب اليمن.

أما أبرز ما صدر عن الانتقالي بهذا الشأن فهو نفي نائب رئيسه ذلك نفياً أشبه بإثبات. ففي بث مباشر على حسابه في “تويتر”، مساء الاثنين الماضي، قال هاني بن بريك أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيتعامل مع أي دولة تدعم استقلال دولة الجنوب، وإن كانت (اسرائيل). وكشف أنه لو كان لهم علاقة مع من وصفهم “أبناء عمومتنا اليهود ودولة إسرائيل سنعلن عنها”؛ مؤكداً، وهو الشخص الثاني في قيادة الانتقالي الجنوبي، أن السلام مع إسرائيل بالنسبة لهم “مطمع ومطمح”.

كما أبدى الخضر السليماني، مدير مكتب العلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي، استعداد المجلس لإقامة علاقات مع إسرائيل إذا لم يتعارض ذلك مع مصالحه الوطنية.

وفي تقرير خاص لموقع الخليج أون لاين نشر يوم الأربعاء الفائت بعنوان (التطبيع يصل لليمن عبر “الانتقالي”.. هل فتحت الإمارات الباب لـ”إسرائيل”؟)، يقول كاتبه، يوسف حمود “يبدو أن الإمارات قد أخذت مسألة التطبيع مع “إسرائيل” إلى مستويات أخرى تتخطى العلاقات الثنائية إلى العمل على إرساء قاعدة التطبيع بين دولة الاحتلال وحلفاء أبوظبي في دول عربية”، مشيراً إلى تزامن ذلك مع سيطرة الانتقالي على جزيرة “سقطرى” الاستراتيجية؛ الأمر الذي يفرض تساؤلات بشأن احتمال تقديم أبوظبي “موطئ قدم لتل أبيب عبر المجلس الانتقالي الساعي لانفصال جنوب اليمن”.

وكانت الصحيفة الإسرائيلية، بحسب القدس العربي، قد أشارت “إلى أن “الدولة الجديدة” تقع على حدود واحد من أهم المضائق الاستراتيجية والأكثر أهمية، قريبا من باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن وقريبا من قناة السويس”؛ كاشفةً عن إعجاب عدد كبير من الإسرائيليين الذين أرسلوا مباركاتهم لدولة الحكم الذاتي الجديد في جنوب اليمن، ونقلت عن مصادر إسرائيلية مختلفة “أن إسرائيل تعد لاجتماعات سرية مع الحكومة الجديدة في جنوب اليمن”.

وتتسارع وتيرة التطبيع كل عام أكثر من سابقه خلال العقد الأخير بين الكيان الإسرائيلي ودول عربية قائمة، تضاف إليها اليوم دولة عربية لم تقم بعد، لكن إسرائيل تترقبها كما يبدو من التقرير المذكور الذي يشير إليها بقوله:

“وراء الأبواب المغلقة يجري إعلان قيام دولة جديدة في الشرق الأوسط. ليس هذا فحسب؛ لكنها ستكون الصديق السري الجديد لإسرائيل”، فهي “دولة جديدة في جنوب اليمن، ستكون مدينة عدن عاصمتها… قيادتها تغازل الدولة العبرية بمشاعر ودية وموقف إيجابي”؛ الأمر الذي يكسبها قدراً كبيراً من الترحيب في تل أبيب.

أما تقرير “الخليج أونلاين”، فيرى كاتبه المحلل السياسي اللبناني محمود علوش أن هناك توجهاً كما يبدو داخل المجلس الانتقالي الجنوبي للانفتاح على تل أبيب، فبعض قادته “يطمحون إلى الحصول على مساعدة إسرائيل في تحقيق حلم الانفصال ويعتقدون أن مثل هذه العلاقة قد تُساعدهم في دفع صانع القرار في واشنطن والعواصم الغربية إلى دعم مشروعهم”.

على أنه يقطع بأن الإمارات هي صاحبة الدور الأكبر في هذه العلاقة “إن صحّ ما يُحكى عن تواصل مزعوم بين الانفصاليين وإسرائيل”.

وبصرف النظر عما أورده تقرير الصحيفة الإسرائيلية عن إيجابية المجلس الانتقالي تجاه إسرائيل، وتفاعل الكثير من الإسرائيليين بالمثل مع تلك المواقف مرسلين التهاني للمجلس، وعن تأكيد كاتب التقرير، أفيل شنيدر(نقلا عن مصادر لم يُسمّها)، أن إسرائيل على اتصال بتلك الحكومة الجديدة من خلف الكواليس، وفقاً لموقع عرب48، فإننا لا نستبعد هنا وجود شكل من أشكال ذلك التواصل الذي تدل عليه مؤشرات مختلفة عدا الردود الصادرة عن قيادة المجلس الانتقالي بشأنه حتى الآن. فالمجلس برمته إنما أنشأته الإمارات، ولا تزال تتكفل به وتحتفظ بما يضمن لها مطلق الولاء منه والطاعة، ولو عبر التطويع الذي تمتلك جميع وسائله. ولم يعد خافياً اليوم -ومنذ تسويق بعض أولاد زايد نظرية عدو عدوي صديقي- أن مهمة تهيئة المنطقة للتطبيع مع إسرائيل وتوجيهها نحو تلك الغاية، عبر شتى الوسائل الكفيلة ببلوغها، تندرج بين أولويات الدور الوظيفي للإمارات خاصة، وللسعودية كذلك.

ولا حاجة لسرد مظاهر التطبيع العملي الإماراتي، لكثرتها. لكن آخرها إعلان نتنياهو بحفل تخرج فوج جديد من طياريه، نهار أمس الخميس، ما كرره في المساء على تويتر مغرداً به: “سيعلن بعد لحظات قليلة وزيرا الصحة الإسرائيلي والإماراتي عن إطلاق تعاون بين البلدين في مجال مكافحة فيروس كورونا”، موضحاً أن ذلك سيجلب الخير للكثيرين في “منطقتنا”.

اللافت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بدا في ختام تغريدته واحداً من كبار قادة المنطقة الأشقاء وحكمائها وهو يقول: “كلما كنا أقوى وأعظم، كلما نردع أعداءنا ونقرب أصدقاءنا منا”.

أما الانتقالي الجنوبي فليس له إزاء الإمارات سوى السمع والطاعة وتنفيذ توجيهاتها دون أي نقاش. كما أنه من جانب آخر على يقين من أن أوراق الحل والعقد كلها في منطقتنا العربية تمسك بها اليد الأمريكية الإسرائيلية ولا يمكن لأحد تحقيق ما يريد فيها إلا باسترضاء تلك اليد مهما اقتضى الأمر.

ناهيك عن أن لدى الانتقالي قناعة لا تزال مؤثرةً -ربما- في عقليات بعض قادته منذ أوائل أيام الحراك السلمي الجنوبي، مصدرها بيت من الشعر الشعبي أسف قائله لاحقاً على قوله، وكاد في نظر العقلاء حينها يقضي على القصيدة التي طرأ عليها، لولا قوة باقي أبياتها الشهيرة. أما غير العقلاء، فقد أسهم إلى حد ما على الأرجح في بلوغهم ما بلغوا ويبلغون من قبل التطبيع ومن بعد التطبيع.

ذلك قول الشاعر الشعبي الكبير، الأستاذ البجيري، عام 2006: إن جت بريطانيْه، رحبنا بها.. وان جا امهيودي، مرحبا به مرتين.

The post الانتقالي إلى التطبيع: “وان جا امهيودي، مرحبا به مرتين” .. موقع الوطني الرسمي لمجلس الانقاذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى