أقلام رصاص

هل خسرت السعودية حليفها الباكستاني بعد “عاصفة الحزم”؟ بقلم/ حسام عبدالكريم

بقلم/ حسام عبدالكريم

في سنة 2015 ومع بدء جهد السعودية لتأسيس “تحالف دولي” تخوض تحت عنوانه حربها في اليمن، كان لافتاً ومفاجئاً الرفض الصارم والحازم الذي لاقته السعودية من حليفها التاريخي باكستان لإرسال قوات أو الانخراط في الجهد الحربي السعودي. فالعلاقة بين السعودية وباكستان تاريخية ووثيقة جداً وترجع حتى إلى بدايات تأسيس الدولة الباكستانية وحروبها مع الهند واستمرت على مدى أكثر من ستة عقود. ولطالما دعمت السعودية موقف باكستان من الصراع في كشمير (الذي يُعتبر قضية باكستان الوطنية الأولى) باعتبار “الأخوة الإسلامية” التي تجمع البلدين قبال الهند. ودعمت أيضاً- مالياً – برنامجها النووي في السبعينيات. وفي الثمانينيات، أقام البلدان شراكة استراتيجية معاً لدعم “المجاهدين” في أفغانستان مالياً وسياسياً وعسكرياً ضد الاتحاد السوفياتي. وعند غزو العراق للكويت سنة 1990 أرسلت باكستان قوات للدفاع عن السعودية وحماية الأماكن المقدّسة فيها. هذا طبعاً عدا المساعدات الاقتصادية والمشاريع السعودية الضخمة في باكستان والأعداد الكبيرة من العمال الباكستانيين في السعودية. باختصار علاقة استراتيجية وارتباط وثيق بين البلدين وصلا إلى حد اعتبار التأييد الباكستاني للسعودية وسياساتها أمراً مفروغاً منه، والاستجابة الباكستانية للطلبات السعودية عند الأزمات حاضرة وفورية.

فما الذي جرى حتى “تتجرّأ” باكستان وترفض طلباً سعودياً مباشراً وصريحاً بالمساعدة؟ والرفض الباكستاني كان مدوياً ولم يقتصر على الحكومة والمؤسسة العسكرية بل إن البرلمان الباكستاني اجتمع وصوّت بشكل شبه إجماع على رفض إرسال قوات والمشاركة في الحرب في اليمن.
السبب في ذلك يعود إلى السعودية ذاتها، لا باكستان. فقد أقدمت السعودية على طلبٍ فيه تجاوز لكل الخطوط الحمراء فجعلت من المستحيل قبوله من طرف باكستان. تقول مصادر مطلعة من داخل الحكومة والمؤسسة العسكرية في باكستان إن السعودية طلبت أن يكون الضباط والجنود الذين سترسلهم باكستان جميعهم من مذهب “السنة” وأن لا يكون بينهم “شيعة”! قوبل هذا “الشرط” السعودي باستهجان كبير ورفض قاطع من قبل قيادة الجيش الباكستاني التي رأت فيه خطراً ماحقاً يهدد المؤسسة العسكرية في الصميم. فالجيش الباكستاني، كما المجتمع، فيه أقلية شيعية كبيرة (تصل إلى 25%) تخدم في صفوفه. ولا يمكن لأي قيادة عسكرية محترفة أن تسمح بالتشرذم الطائفي والمذهبي في صفوفها، بحيث يصبح التمييز مؤسّساتياً ما بين كوادرها “السنة” و “الشيعة” ليصير الانتماء إلى الطائفة والمذهب مقدماً على الانتماء إلى الوطن والجيش. وهكذا كان الرفض قاطعاً من قبل الجيش الباكستاني وبلا تردد حتى لو أدى ذلك إلى إغضاب الحليف والداعم التاريخي، فوحدة الجيش ومهنيته وانضباطه العسكري أهم من غضب السعودية. ويضاف إلى ذلك أن باكستان كانت تعاني من مشاكل وتهديدات من طرف تنظيمات “جهادية” سلفية لها ارتباطات بالقاعدة وطالبان، ولو استجابت للطلب السعودي فربما يصب ذلك التأجيج الطائفي/المذهبي في مصلحتها. وموقف الجيش الباكستاني الصارم حسَم بالتالي موقف حكومة نواز شريف (الموالي للسعودية) والبرلمان. فيمكن القول إن سياسة التهييج المذهبي التي تنتهجها السعودية وتعتمد عليها في صراعها مع إيران ارتدّت سلباً عليها عندما بالغت بها وأساءت استعمالها في غير مكانها فأدّت إلى خذلانها من قبل حليف موثوقٍ طالما استندت إليه.

وتفاقمت الأمور بعد ذلك. ومما زاد في سوء العلاقة كان التوجّه السعودي المتزايد نحو الهند وخصوصاً مع اليمين الهندي العنصري ممثلاً برئيس الوزراء نارندرا مودي المعادي للمسلمين والمتشدد تجاه الباكستان طبعاً. استقبلت السعودية مودي مرتين، في عامي 2016 و 2019، وبحفاوة بالغة. وبالتأكيد فإن ذلك التوجه السعودي لم يكن ينظر إليه بارتياح في إسلام أباد التي كانت تنتظر من السعودية دعماً لقضية المسلمين في كشمير مع تزايد ضغوط اليمين الهندوسي، وإذ بها تتفاجأ بعلاقات مطّردة بين الرياض ومودي.
في عام 2016 زار ولي العهد محمد بن سلمان باكستان. ورغم الأجواء الإيجابية التي خلقها الإعلان عن استثمارات سعودية وتعاون اقتصادي مع باكستان بقيمة 20 مليار دولار، إلا أن ذلك سرعان ما تضاءل وخفت مع سماع إسلام أباد بأخبار ما جرى في زيارة ولي العهد التالية إلى الهند، حيث أعلنت السعودية عن نيتها استثمار ما مجموعه 100 مليار دولار كمشاريع في مجالات البتروكيماويات والتكنولوجيا وغيرها. وكان لافتاً تلك الحميميّة التي صبغت لقاء مودي مع ابن سلمان إلى حد جعلته يكسر قواعد بروتوكولات استقبال الضيوف الأجانب فخرج بنفسه لانتظاره في المطار.
في منتصف 2019 ظهرت أَمارات الإحباط الباكستاني من السياسات السعودية واضحة جلية أثناء زيارة عمران خان للسعودية للمشاركة في القمة الإسلامية التي يظهر أنه حضرها على مضض. وقد لاحظ المراقبون أن رئيس الوزراء الباكستاني بعد أن صافح العاهل السعودي تحدث إلى المترجم مباشرة بدلاً من الحديث مع الملك، كما أنه انصرف على عجل ولم ينتظر حتى ينتهي المترجم من نقل حديثه للملك سلمان. ذلك التصرف غير اللائق من طرف عمران خان ترك أثراً سلبياً بلا شك في الأوساط السعودية التي رأت فيه نوعاً من قلة الاحترام.
في أواخر 2019 كانت باكستان على وشك المشاركة في القمة الإسلامية التي دعت إليها ماليزيا وضمّت كل خصوم السعودية، إيران /تركيا/ قطر لولا أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. ويومها صرّح الرئيس التركي إردوغان بأن باكستان تعرضت لضغوط من السعودية تمثلت في تهديد الرياض بسحب الودائع السعودية من البنك المركزي الباكستاني، وترحيل أربعة ملايين باكستاني يعملون في السعودية واستبدالهم بالعمالة البنغالية، ما دفع عمران خان للتراجع عن حضور تلك القمة.
في عام 2020 بلغ الغضب الباكستاني من موقف السعودية تجاه قضية كشمير حداً غير مسبوق وصل إلى أن يصرّح وزير الخارجية شاه محمود قريشي بأن على “منظمة التعاون الإسلامي” ومقرها السعودية أن تعقد اجتماعاً وزارياً حول كشمير، وإلّا فإن باكستان ستعقد اجتماعها الخاص! تصريحات قريشي كشفت للعلن مدى التدهور الذي وصلت إليه علاقات بلاده مع السعودية التي صار ينظر إليها في باكستان على أنها “باعت” قضية كشمير في سبيل علاقاتها المتنامية مع الهند.

هذا التدهور الخطير والمتزايد في العلاقات مع السعودية دفع الجيش الباكستاني إلى التدخل في محاولة لوقفه وإصلاح ما يمكن إصلاحه من العلاقة مع الحليف التاريخي لباكستان. ففي آب/ أغسطس 2020، زار رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد السعودية حيث التقى هناك ولي العهد محمد بن سلمان وأخاه خالد وزير الدفاع. ومن غير الواضح ما إذا كان قد حقّق نجاحاً في زيارته ولكن ما حصل في كانون الأول/ديسمبر من العام ذاته يشير إلى أن العلاقة ما زالت متوترة بين الطرفين. فقد طالبت الرياض إسلام أباد وضغطت عليها بشكل غير معهود بسداد دفعة مستحقة من قرض قديم، ما دفع رئيس الوزراء عمران خان إلى اللجوء إلى الصين والحصول منها على مبلغ مليار دولار دفَعَهُ للسعودية بشكل نزق!

ست سنوات مرّت على مسلسل التدهور في علاقة السعودية مع باكستان، الذي بدأ مع حرب اليمن. وليس معروفاً إلى أين ستتجه الأمور، أو إذا كانت السعودية ستنجح في “استعادة” باكستان إلى حضنها من جديد. هل سيتدخل “العقلاء” من الجانبين لإعادة وصل ما انقطع؟ ربما. علينا أن ننتظر ونرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى